إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / فنون وإعلام / عبدالرحمن الداخل (صقر قريش)









بسم الله الرحمن الرحيم

عبدالرحمن الداخل

(صقر قريش)

كلمة في البدء

لم يكن التاريخ الإسلامي عادلاً، فيما سطَّره مؤرخوه، عدلَه فيما جاء فيه ذكر صقر قريش، عبدالرحمن الداخل، بوصفه واحداً من أعظم رجالات التاريخ الأندلسي بخاصة، والتاريخ الإنساني بعامة؛ لِما للرجل من مكانة لائقة به، اكتسبها بالأفعال أكثر من الأقوال، مهما اختلف في شخصيته المختلفون. حتى أقواله، التي تضمنتها أشعاره، كانت مصداقاً لأفعاله. فهو رجل القول والفعل معاً. وهو رب السيف والقلم معاً، فهُما ـ السيف والقلم ـ جماع شخصيته، التي يحاول هذا البحث تجليتها.

وإذا صح أن جينات الذكاء والدهاء، تورَّث، كالأشكال، فسيولوجياً وسايكولوجياً، فإن الداخل، أو صقر قريش، سليل بني أمية، الذين أفناهم الدهر، كما أفنى غيرهم ـ له من هذا الميراث نصيب كبير؛ ظهر من خلال شخصيته، التي جمعت بين وجوه عدة، من الحكمة والقسوة والرحمة والغدر والدسائس، لتنبثق من تداعياتها شخصية الداخل، في مواقف متباينة، يقرها التاريخ ومؤرخو أحداثه الجسام، تلك التي يستبين صدقها إفصاحاً، بعد موت مَنْ يؤرخ لهم، ممن كان يخشى وجودهم أحياء، فيكون داعي المجاملات وإخفاء العيوب، رادعاً لكلمة الحق.

وحول الرؤى السابقة، يرصد علي أدهم، أديب المؤرخين ومؤرخ الأدباء، رؤى التاريخ في مدارها، فيقول: "وإذا ابتعد المسافر عن مدينة، أخذت تظهر له من بعيد الأمكنة العالية منها. وكلّما أوغل في الابتعاد، وأمعن في السير، صار لا يرى إلا أكثر الأمكنة إصعاداً في الجو. كذلك الناظر في تاريخ الأمة العربية، في عهد الإسلام، كلّما ابتعدت بنا قافلة الزمن، وتلفت الركب إلى الوراء، صرنا لا نلمح إلا الشخصيات البارزة، المتسامية، اللائحة في الجو التاريخي للماضي. ويمكننا أن نرد أكثر ما نلمحه من تلك الشخصيات إلى بيتَين، أسهما بدور كبير في تاريخ العرب والمسلمين، وهما بنو أمية وبنو هاشم، وهما الشعبتان النابعتان من صُلب عبد مناف".

وعن إسهام البيتَين العظيمَين في قيادة قريش، يقول أدهم، مفرقاً بين طبيعة إسهام كلّ منهما: "كان بنو هاشم في مكة سدنة الكعبة، وأصحاب السلطة الدينية. أمّا بنو أمية، فكانوا أصحاب السيادة السياسية، وذوي الجاه العريض، والثراء الجم؛ وكانت قوافل تجارتهم دائمة الارتحال بين مكة والشام، حيث تأثير الحضارة البيزنطية مستفيض...".

وإذا كان بنو هاشم، الذين ولد من صلبهم أشرف الخلق، محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم سدنة الدين، الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الدعوة لدين الله رخيصة؛ فإن بني أمية، وفق تسييس كلّ شيء وقياسه بمقياس المصلحة، حتى لو تعلق بأمر الدين؛ لم يكونوا "ينظرون إلى الدنيا، في ضوء فكرة مقدسة، أو ظل مبدأ سامٍ. وليست نفوسهم من تلك النفوس، التي تحاول أبداً أن تقيم الحياة البشرية الزائلة على أساس من الأبدية الباقية، وتحرص على أن تستمسك بصخرة من اليقين في بحر الحياة القلَّب؛ بل كانوا يأخذون الحياة كما هي، ويقْبلونها على علاتها، ويعملون على الاستفادة من فرصها، والاستفادة منها. وقد قاوموا الإسلام، في أول نشأته.. ولكنهم أدركوا، بغريزة الرجال العمليين، أن اليوم للإسلام، فلانوا للعاصفة، وتكيفوا مع الظروف. وبمهارة فائقة، وكياسة عظيمة، تمكنوا من تحويل الإسلام إلى مصلحتهم، وإعلاء شأن بيتهم".

من أصلاب هؤلاء الدهاة، والذين أُثيبوا، على رغم أنوفهم، خدمةً صادقةً لدين الله وإعلاء كلمته، بسياستهم: الدنيوية والدينية، وُلِد عبدالرحمن الداخل، فيه شيء من عظمتهم ومكرهم وخداعهم وتقواهم كذلك. وسيظل ما ذكره علي أدهم في المقتبسات السابقة، التي طالت، مرجعية مهمة لاستجلاء سيرة الرجل، رب السيف والقلم.

وقد قُيِّض لتاريخ الداخل، أن تكتبه ثلة من المؤرخين القدامى، كالمَقَّري التلمساني، صاحب "نفح الطيب"؛ وابن عذاري المراكشي، صاحب الكتاب الذائع "البيان المغرب"؛ ثم مؤلف مجهول، كتب كتاباً مهماً كان الأوفى ترجمةً للداخل وذكراً لأخباره، وسمّي: "أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها رحمهم الله والحروب الواقعة بها بينهم". فإذا كان المقَّرِي قد جمع أخبار الداخل مركزةً، بأسلوب أدبي، لا يفوت المعلومة المفيدة غير المنبسطة؛ وإذا كان ابن عذاري قد توسَّع في تدقيق تاريخي في أخبار الداخل؛ فإن المؤلف المجهول (وهو أشهر مجهول) قد ذكر كلّ شاردة وواردة حول تاريخ الداخل وأخباره، لمن أراد الدقة والاستفادة.

نسبه ومولده وهويته

هو عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. كُنيته: أبو المطرِّف. أمه بربرية، من سبي المغرب؛ تسمى راحاً أو رداحاً. وفي عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي نسبه نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وُلد بموضع، يُعرف بدير حسينة، من دمشق، سنة 113هـ. مات أبوه، وتركه صغير السن. وتوفي يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر، وقيل: لعشر خلون من جمادى الأولى سنة 172هـ، ودُفن بقصر قرطبة، وقد بلغ تسعاً وخمسين سنة، وقيل: ستين سنة. فكانت مدة خلافته ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونصفاً. ودخل الأندلس وهو ابن خمس وعشرين سنة أو نحوها. بويع له بقرطبة، يوم الأضحى من سنة 138هـ.

وزراؤه أربعة: عبدالله بن عثمان، وعبدالله بن خالد، ويوسف بن بُخت، وحسان بن مالك. وحُجابه خمسة: تمام بن علقمة، ويوسف بن بُخت، وعبدالكريم بن مهران، وعبدالحميد بن مغيث، ومنصور فتاه. وقضاته خمسة: يحيى بن يزيد التجيبي، ومعاوية بن صالح، وعبدالرحمن بن طريف، وعمر بن شراحيل، والمصعب بن عمران؛ وكان له قاضٍ خامس، في صوائفه، يسمى جدار بن مسلمة بن عمر المذحجي. نَقْشُ خَاتَمِهِ: عبدالرحمن بقضاء الله راضٍ. صفته: طويل القدّ، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان. وكان يسمى صقر بني أمية. ولده الذكور أحد عشر، والإناث تسع.

ويضيف ابن زيدون، الذي ينقل عنه المقّري، من صفاته غير ما ذكر ابن عذاري، أنه كان "أخشم؛ والأخشم الذي لا يشم. وكان يلقب بصقر قريش، لكونه تغرب وقطع البر والبحر، وأقام وحده مُلكاً قد أدبر. ولما ذكر الحجازي أنه أعور، قال: ما أُنْشِد فيه إلا قول امرئ القيس:

لكن عُويَرُ وَفَيْ بذمَّتِه               لا عَوَرٌ شَاَنه ولا قِصَرُ

والحق أن من أطلق على عبدالرحمن بن معاوية لقب "صقر قريش"، هو الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور؛ وتكاد تجمع على هذه الرواية كلّ كتب التاريخ، تراثاً ومعاصرة. ولذلك قصة مذكورة في هذه الكتب، تُروى بنصها، لإثبات مقولة: "إن الفضل ما شهدت به الأعداء"؛ وبخاصة أن ثمة روايات، تشير إلى أن نظرة أبي جعفر المنصور إلى عبدالرحمن، لم تكن نظرة إكبار فقط، ولكنها كانت تجمع إلى الإكبار هيبة وتوجساً، بعد أن حاول العباسي أن يكيد للأموي، ولكنه فشل وأفُحم.

أمّا تلقيب المنصور لعبدالرحمن بصقر قريش، فقد ذُكر أن أبا جعفر المنصور، قال، يوماً، لبعض جلسائه: "أخبروني من صقر قريش من الملوك؟". قالوا: "ذاك أمير المؤمنين، الذي راض الملوك، وسكَّن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء!". قال: "ما قلتم شيئاً!". قالوا: "فمعاوية؟". قال: "لا". قالوا: "فعبدالملك بن مروان؟". قال: "ما قلتم شيئاً!". قالوا: "يا أمير المؤمنين، فمن هو؟". قال: "صقر قريش عبدالرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلداً أعجمياً، منفرداً بنفسه، فمصَّر الأمصار، وجنَّد الأجناد، ودوَّن الدواوين، وأقام ملكاً عظيماً بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدّة شكيمته. إن معاوية نهض بمركب، حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبدالملك ببيعة، أُبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين بطلب عثرته، واجتماع شيعته؛ وعبدالرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطّد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين!". فقال الجميع: "صدقت، والله، يا أمير المؤمنين".

والحق أن هذه الشهادة من خليفة في قامة المنصور، تقف شاهداً على صدق ما اتصف به جانب منير من شخصية عبدالرحمن بن معاوية، والذي يذكر المقّري أنه كان يعرف بعبدالرحمن الداخل، لأنه أوّل داخل من ملوك بني مروان إلى الأندلس. ويذكر المؤرخ الآنف الذكر، أن ابن حيان، جعل من النوادر العجيبة موافقة عبدالرحمن هذا لأبي جعفر المنصور، في الرجولة والاستيلاء والصرامة، والاجتراء على الكبائر والقساوة؛ وأن أمّ كلّ واحدٍ منهما بربرية. والحق، أن جانباً من الصفات الإيجابية، التي ذكرها عدوه المنصور؛ والسلبية، التي ذكرها مؤرخ محايد، مثل ابن حيان، لم يكن كلاهما ببعيد عن شخصية الداخل؛ وهو أمر تؤكده كتب التاريخ، قديماً وحديثاً؛ ما لبَّس على المؤرخين المحدثين بخاصة تحليلهم شخصية الداخل.

قصة هربه

يخبر المؤلف المجهول، صاحب كتاب "أخبار مجموعة"، "أنه لمَّا كان من أمر مروان بن محمد ـ رحمه الله ـ ما كان، وانصرم أمر بني أمية بالمشرق، وتغلب على ملكهم بنو العباس، وقُتل مروان في سنة اثنتَين وثلاثين ومائة، فسير برأسه إلى السفاح.. وتتبع السفاح بني أمية حيث كانوا، يقتل ويمثل، أخذ أبان بن معاوية فقطع يده ورجله، ثم طيف به في كور الشام، ينادى على رأسه: هذا أبان بن معاوية فارس بني أمية، حتى مات. وقتلوا النساء والصبيان، ذبحوا عبدة بنت هشام بن عبدالملك ذبحاً.. وهرب عنهم وجوه من بني أمية لهم أسماء وأقدار".

وقد كان على رأس هؤلاء الهاربين عبدالرحمن الداخل، الذي تدخل قصة هربه حيزاً أقرب إلى الأساطير، مع أنها حقيقة ناطقة برحمة الله في خلقه، الذين يصنعهم على عينه. وقبل قصة هربه، التي يرويها هو نفسه، يحسن الاستماع إلى نبوءة العرَّافين به.

تقول النبوءة، إن أحد اليهود في مجلس حاكم إفريقية، تنبأ بتغلب فتى ذي ضفيرتَين على بلاد الأندلس (يعني الداخل)، وقد كادت هذه النبوءة تكون سبباً لقتل عبدالرحمن. وقبل نبوءة اليهودي، كان ثمة نبوءة أخرى لأحد أقارب عبدالرحمن، هو مسلمة بن عبدالملك، رواها لجده هشام، مفادها أن الداخل حُمِل مع إخوته إلى الرصافة، حيث كان يقيم جده. وبينما هم وقوف ببابه، على دوابهم، إذ أقبل مسلمة بن عبدالملك، الأمير الأموي؛ وقد كان عاطفي النزعة، معروفاً بالفراسة واستطلاع الغيوب. ولما علم أن الصِّبية هم صغار معاوية، اغرورقت عيناه بالدمع، ثم دعاهم الاثنَين فالاثنَين، حتى قدم له عبدالرحمن،  فأخذه وقبّله، وقال للقيّم: هاته، وأنزله من على دابته، وجعله أمامه، وأخذ يقبّله ويبكي بكاءً شديداً، وشغل به عن سائر إخوته.

وبينما هم كذلك، خرج عليهم هشام، فلما رأى مسلمة، قال: ما هذا، يا أبا سعيد! فقال مسلمة: "بُني لأبي المغيرة ـ رحمه الله ـ". ثم دنا من هشام، وقال له بصوت، سمعه عبدالرحمن: "قد تدانى الأمر، هذا هو". فقال هشام: "أهو؟". فقال له مسلمة: "إيْ والله، وقد عرفت العلامات والأمارات بوجهه وعنقه". من هذا اليوم، صار جده يتعهده بالصلة، في كلّ شهر، من دون سائر إخوته. وقد كانت كلمات مسلمة دائمة الرنين في أذن عبدالرحمن، لشهرة مسلمة بالتنجيم.

ولم ينقذ عبدالرحمن من النكبة، التي نزلت إلا غيابه في متنزهه، في رحلة صيد. ويروي هو نفسه قصة هربه، على الرغم من إصابته برمد شديد، تتقاذفه المحن في قرية نائية، مع أخيه وولده، فيقول: "فإني لجالس في القرية في دار كنّا فيها، ولم يبلغنا بعد إقبال المسوِّدة (يقصد العباسيين). فكنت في ظلمة البيت، وأنا رَمِدٌ شديد الرمد، ومعي خرقة سوداء، أمسح بها قذى عيني. والصبي سليمان يلعب، وهو ابن أربع سنين أو نحوها، إذ دخل من باب البيت، فترامى في حجري، فدفعته، لما كان بي، ثم ترامى وجعل يقول ما يقول الصبيان عند الفزع".

"فخرجت، فإذا أنا برايات مطلة. فلم يَرُعْني إلا دخول أخي فلان، فقال: يا أخي، رأيتَ المسوِّدة؟ وكنت لما فعل بي الصبي ما فعل (يعني ابنه سليمان) قد خرجت، فرأيتهم، لم أدرك شيئاً أكثر من دنانير تناولتها، ثم خرجت أنا والصبي، وأخي. وأعلمت أُخْتَّي: أم الأصبغ، وأمة الرحمن بمتوجهي، وأمرتهما أن يُلحقاني غلامي بما يصلحني، إن سلمت. فخرجت حتى اندسست في موضع ناءٍ عن القرية. وأقبلوا فأحاطوا بالقرية ثم بالدار، فلم يجدوا أثراً. ومضينا حتى لحقني مولاي بدر. ثم خرجت حتى أتيت رجلاً، على شاطئ الفرات، وأمرته أن يشتري لي دواب، ويصلحني. وبينما أرقب ذلك، إذ خرج عبد له أو مولى، فدل علينا العامل، فأقبل إلينا. فوالله، ما راعنا إلا جلبة الخيل إلينا في القرية. فخرجنا نعتمد على أرجلنا. وأبصرتنا الخيل، فدخلنا بين حدائق على الفرات. واستدارت الخيل، فخرجنا وقد أحاطت بالحدائق".

وهنا يلعب الزمن ـ قدراً ـ دوراً مصيرياً، وفق رواية عبدالرحمن، لينقذه فاتحاً عظيماً بَعْدُ للأندلس، يقول "فتبادرنا وسبقناها (أيْ الخيل) إلى الفرات، فترامينا فيه. وأقبلت الخيل، فصاحوا علينا: لا بأس عليكم. فسبحت، وسبح الغلام أخي. فلما سرنا ساعة، سبقته بالسباحة، وقطعت قدر نصف الفرات، فالتفت لأرفق وأصيح عليه ليلحقني، فإذا هو، والله، لمَّا سمع تأمينهم إياه وعجل، خاف الغرق، فهرب من الغرق إلى الموت. فناديته: أقبِل، يا حبيبي، إليّ. فلم يأذن الله بسماعي، فمضى، فمضيت حتى عبرت الفرات. وهمّ بعضهم بالتجرد، ليسبح في أثري. ثم بدا لهم، وأخذوا أخي، فضرِبت رقبته، وأنا أنظر، وهو ابن ثلاث عشرة سنة ـ رحمه الله ـ ثم مضيت".

كان أول هروب الداخل إلى فلسطين، ثم إلى مصر. وكان في صحبته مولاه المخلص بدر، وسالم خادم شقيقته أم الأصبغ، التي وجهت بدراً بدنانير وشئ من الجوهر، يستعين بها الداخل على النفقة والوصول. فوصل إلى إفريقية (المغرب)، وصاحبها وأميرها عبدالرحمن بن حبيب، ولم يكن محباً للأمويين. وتروي كتب التاريخ، أنه كان مع ابن حبيب يهودي، قد خدم مسلمة بن عبدالملك، أخا جدِّ الداخل؛ وكان يتكهن له، فحكى له أنه سمع مسلمة يحدث بخبر القرشي، الذي يكون من بني أمية، يتغلب على الأندلس، اسمه عبدالرحمن، ذو ضفيرتَين. فنظر ابن حبيب إلى عبدالرحمن، فوجده بضفيرتَين، فقال لليهودي: "ويحك! هذا هو المذكور؛ وأنا قاتله".

ويبدو أن اليهودي، "قد ساءه أن تكون نبوءته سبباً لقتله. وواتته في هذا الموقف الضنك بديهة حاضرة، فأجاب ابن حبيب قائلاً: إنك إن قتلته فما هو به، ولحقك إثمه؛ أو غلبت على تركه، إنه لهو؛ فإن القضاء لا يغالب. فأعجب ابن حبيب بقوة حجة اليهودي، وأعرض عن قتل عبدالرحمن؛ وفي نيته أن يعود للفتك به في فرصة أخرى".

ولم يكن ابن حبيب بأقلّ قسوة من سادته العباسيين، فهو كما يخبر صاحب كتاب "أخبار مجموعة"، تجنى ظلماً على ابنَي الوليد بن يزيد، فقتلهما. واغتصب مالاً من إسماعيل بن ريِّان بن عبدالعزيز، وغلبه على أخته عنوة وقسراً فتزوجها، وأراد أن يغدر بعبدالرحمن الداخل، فأتاه رجال فأنذروه، فخرج هو وبعض أصحابه هارباً إلى بلاد البربر، نازلاً أول الأمر على قبيلة "مكناسة" فضاق بهم، ثم خرج من عندهم حتى بلغ البحر، نازلاً "بسبرة "عند قبيلة أخواله التي تسمى "بنفزة"، إذ كانت أمه بربرية كما سبق القول، ولم يكن معه سوى مولاه بدر. أما سالم ذلك المولى الذي كان عالماً ببلاد الأندلس، التي دخلها مع ابن نصير، وغزا صوائفها، فقد فارق الداخل إثر جفوة بينهما مفادها: أن بعض بني عم الداخل دخلوا عليه، فصاح به فلم يتنبّه سالم، المكنى بأبي الشجاع، فأمر الداخل بصب الماء على وجهه، فغضب، وفارقه إلى مولاته الأولى بالشام. وخسر الداخل بذلك خادماً مخلصاً، ما كان أحوجه إليه في رحلته للأندلس.

واستغل الداخل حالة الأمان النسبي عند أخواله من قبيلة نفزة، وبدأ يخطط سراً لدعوته أول الأمر؛ ليجمع حوله الأنصار. فكتب إلى مواليه بالأندلس كتاباً يشكو فيه ما ابتلي به بنو أمية، معظماً حقه عليهم، ونزوعه إليهم، وما صنعه ابن حبيب به وبقومه بإفريقية، ويعلمهم أنه إن دخل على يوسف الفهري حاكم الأندلس لم يأمنه، وأخذ يعرض عليهم أنه إنما يريد الاعتزاز بهم، وأن يمنعوه، وأن تهيأ لهم من الظروف المواتية ما فيه طلب سلطان الأندلس، التي كان الداخل يتسقط أخبارها أن يعلموه، وقد كان رسوله إليهم خادمه الأمين بدراً.

والحق أننا حين نصف الحالة النفسية للداخل عند قبائل نفزة بالأمان النسبي، إنما لنبين أن هذا الرجل القدير الشأن بعد ذلك لم يكن آمناً أماناً خالصاً؛ ذلك أن ابن حبيب رصد جائزة كبيرة لمن يأتيه برأسه، فاقتفى الناس أثره. ففوجئ مرة وهو نازل عند أحد شيوخ البربر، وكان يسمى (وانسوس) بمن يتعقبه فخبأته امرأته (تكفات) البربرية تحت ثيابها.

وكان من شأن تلك المحن أن تفتّ في عضد الداخل، وتضعف عزيمته، ولكنه كان ـ كما وصفه علي أدهم ـ "شاباً فلتة من فلتات عصره في قوة العزيمة، وبعد الهمة، ولم يكن من شأنه ولا من شأن قومه الإخلاد إلى الضعة، والاستكانة إلى الخمول، فقد كانت تأبى له ذلك ضلاعة في خلق الأمويين، ونبع من التفاؤل والاستبشار كامن في نفسه... وكان يستنبط الحيل، ويرسم الخطط، ويدبر الدسائس، ويعمل على كسب الأنصار؛ لينزع ملك إفريقية من يد ابن حبيب، ولكن طول تجربة الأخير، وخبرته العريضة بأحوال البربر، ويقظته جعلته يثني عنان الأمل إلى ناحية الأندلس".

وبدأت الأحداث تتلاحق في حياة داخل الأندلس، عبدالرحمن بن معاوية، فقد كان سلطان يوسف الفهري يضعف، لأجل القحط الذي أصاب الأندلس، وكان "الصُّميل" وزيره الماكر الداهية قد دخل ـ وهو الحاكم الحقيقي للأندلس لضعف يوسف المغلوب على أمره ـ في صراع مع اليمنية، الذين تجمعوا مع عامر بن عمرو العبدري، من بني عبدالدار بن قصي، وحليفه الثائر على الصميل، الحبحاب بن رواحة بجهة سرقسطة، وقد اشتد عليه الحصار، فاستنجد بيوسف، ولكنه تباطأ عليه. وقد كان للصميل هذا دور مهم في دخول عبدالرحمن الداخل، سوف نبين عنه بعد قليل.

وكان بدر، مولى الداخل، قد توجه بكتابه إلى زعيمين من زعماء الأمويين في الأندلس، هما: عبيدالله بن عثمان، وعبدالله بن خالد بن أبان بن أسلم، مولى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكان عبدالله وعبيدالله يتوليان لواء بني أمية بالأندلس، ويتعاقبان عليه. فلما جاءهم بدر بكتابه، اجتمعوا وتشاوروا، وبعثوا إلى يوسف بن بُخت، وكان من رجالهم وحلفائهم، فاجتمع رأيهم على ألا يردوا له جواباً حتى يشاوروا الصُّميل في ذلك، ويدعوه إليه. وكانوا واثقين أنه إن لم يجبهم، فإنه سيكتم أمرهم ولا يرفعه إلى عدوهم.

وأراد ابن عثمان وابن أبان أن يقدما يداً بالمعروف إلى الصميل، في أزمة حصاره من ابن رواحه العذري والعبدري، لما بنياه عليه من آمال، وقد نووا اطلاعه على أمر الداخل. وكان الصميل قد كتم أمره كتماناً عجيباً، وهذا ما دعاهم إلى إمداده بالعون بعد أن استجار بقومه من جند قنسرين ودمشق، يُعَظم عليهم الخطب، فنصره من نصر، وخذله من خذل، وفي النهاية انكشف وجه الغمة، والحصار عن الصميل، بفضل نصرة ابن عثمان وابن أبان، بعد أن كسبوا لهم ـ ومعهم بدر مولى الداخل ـ كل من استجاب لهم. وكان عبدالرحمن الداخل قد بعث إليهم خاتمه، ليكتبوا به على كل من رجوا نصره، فكتبوا عنه للصميل، يذكرون له أيادي وفضل بني أمية عنده، ويعده ويمنيه إغراءً. وفي النهاية لما سمع الثائران، العبدري وابن رواحة العذري بالمدد الواصل إليه، ارتفعوا عنه، وتركوه، وانكشفت الغمة عنه.

وجاء دور اطلاع الصميل وتذكيره بأمر الداخل، وانتظار ما كانوا يرجونه من وفائه. فأطلعه الأمويون على قصة ابن معاوية، وعرضوا عليه بدراً رسوله فأحسن إليه، وقال لهم: أروّي في أمري" أي يأخذ قسطاً من الوقت للتفكير. وانصرف الأمويون إلى منازلهم ومعهم بدر. وكان الصميل قد اتفق على نصرة عبدالرحمن الداخل، وأن يزوجه ابنته، ثم رجع في قوله، وقال: "تأملت الأمر، فوجدته صعب المرام، فبارك الله لكما في رأيكما ومولاكما! فإن أحب غير السلطان، فله عندي أن يؤاسيه يوسف (أي يمده بالعون)، ويزوجه ويحبوه (أي يقربه إليه). انطلقا راشدين". فانقطع رجاء الأمويين من الصميل، ورجعوا إلى اليمن. ويخبر بدر أنهما ما مروا بيمني إلا دعوه، فوجدوا القوم قد وغرت صدورهم حقداً على الصميل، يتمنون سبيلاً لثأرهم.

ويحلل المؤرخ علي أدهم شخصية المتحاورين في أمر عبدالرحمن تحليلاً يحسن أن نشير إليه دون تعليق. فهو تحليل مستقرئ لكتب التراث. والمتحاورون هنا هم موالي الأموية ابن عثمان وابن أبان وبدر من جهة، والصميل من جهة أخرى. أما موالي الأمويين "فكان يعطفهم على قضية عبدالرحمن، شعور الموالي بواجبهم نحو ساداتهم، فقد كانت صلة المولى بسيده شديدة الشبه برابطة القرابة، وكان فرضاً على أولاد الموالي أن يخلصوا لمن أعتقوا رقابهم، ومنحوهم الحرية والخلاص، وقد كان الرأي الذي انتهوا إليه لا يخلو من التأثر بدافع المصلحة؛ لأنه إذا عاد السلطان إلى الأمويين، وأصبحت مناصب الدولة وقفاً عليهم؛ فإنهم سيشركون معهم فيها الموالي، ومن ثم فالسعي لتنويل عبدالرحمن غايته فيه خير لهم وإعلاء شأنهم".

أما عن شخصية الصميل، فإنه ـ كما يراه علي أدهم ـ "لم يكن صاحب تفكير وحزم، وليس في طاقاته تقليب الأمور على وجوهها أو النظر في أعقابها، وإنما كان صاحب لهو، يعتمد فيما يعرض له من الأمور على خاطره السريع، وبديهته الحاضرة. فلما فاجأه الزعيمان الأمويان بالاستفسار عن الرأي الذي استقر عليه في مسألة إدخال عبدالرحمن، ارتجل الحديث الذي أفضى به إليهما، وأيقظ في نفسيهما آمالاً ضخمة، ومطامع بعيدة، وادعى أنه قد قتل الأمر بحثاً، وأوسعه تفكيراً، ولما خلا بنفسه، بعد انصرافهما أدرك خطأه وتسرعه، ورأى أنه لو تم الأمر لعبد الرحمن فإنه سيقيم ملكاً بالأندلس، ويستأثر بالسلطة وحده ويستبد بالأمر، وفي ذلك وبال عليه وعلى غيره من رؤوس القبائل ورؤساء العشائر، فبادر بإرسال أحد أتباعه للحاق بهما وردهما". وقال لهما ما قال، على النحو الذي ذكرناه آنفاً. وربما تفحص الأحداث التالية حقيقة ما فطن إليه علي أدهم.

وتضحك الأقدار للداخل، حين يقع يوسف في مطب وموقف لا يُحسد عليه؛ وهو الخارج لمحاربة العبدري والحبحاب، فحين وصل إلى طليطلة، منتظراً مدداً من الأمويين، الذين تثاقلوا عليه، أرسل مبعوثين إلى جليقية والبشكنس، يريد الرجوع إلى قرطبة. فلم يكد يبتعد حتى أدركه الرسول بهزيمة الجيش وقتل عامته. وبينما هو ينتظر أسقط في يديه. وزاد عليه الأمر سوءاً، حين أتاه رجل من عند ولده من قرطبة، يعلمه أن فتى من قريش، من ولد هشام بن عبدالملك نزل بساحل المُنَكَّب، فاجتمع إليه موالي الأموية، الذين كان ينتظر يوسف منهم المدد، فانتشر الخبر في عسكره، فانتفض الناس من العسكر، وليس في عسكره سوى وزيره الداهية المخادع الصميل، ذلك الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، ومعهما بقيت قيس.

وكان الصميل في كل أموره، التي يقلبها، يبحث عما فيه مصلحة له، فبعد أن ضمن نصرة الأمويين له، كتم أمرهم عن يوسف، على الرغم من علمه بنصرتهم للداخل عدو يوسف؛ إذ إنه لما وصل يوسف إلى طليطلة، واستبطأ وصول نجدة الأمويين قائلاً: ما أرى موالينا لحقوا بنا. رد عليه قائلاً: انطلِقْ ليس مثلك من أقام على مثلهم. أخاف فوات الفرصة. فسار إلى سرقسطة، فلما خاف أهلها الجيوش أسلموا عامراً وابنه والزهري، فأخذهم وكبلهم وأراد قتلهم، فاستشارهم فيهم خيار قيس، فكلهم أشار ألا يفعل. وعقد يوسف اجتماعاً للمداولة في أمرهم، فأبدى الصميل ضرورة قتلهم لشدة مقته لهم.

ولكن الصميل لما أحس بخطر الداخل ومناصريه من الأمويين، انقلب على الداخل وعليهم؛ ذلك أن يوسف لما راعه دخول رسول أم عثمان، أم ولده وصاحبة سلطانه، يخبره بدخول عبدالرحمن بِطُرُش عند عبيدالله بن عثمان، أرسل للصميل الذي جاءه مذعوراً، فلما قصَّ عليه ما كان من أمر عبدالرحمن الداخل، قال: خطب جليل، والرأي عندنا أن نقطع إليه من فورنا هذا بمن معنا من الناس، فإما قتلناه وإما شردناه فهرب لم يستقلها أبداً. قال: هو ذلك. هذه هي شخصية الصميل يريد أن يبادر عدوه حليف الأمس، يريد أن يقتله أو يجبره على الهرب فلا يعود لمثلها.

عبدالرحمن الداخل في الأندلس وبداية الكفاح

كان عبدالرحمن، وقد بدأ مناوشاته مع يوسف والصميل، قد دخل الأندلس في غرة ربيع الأول، وهو كما يقول ابن عذاري: أبو الملوك. وكان خروجه من المركب الذي أقله بموضع يعرف بالمنكَّب، ثم نزل بقرية طُرُّش التابعة لإلبيرة. فأقبل عليه جماعة من الأمويين، وقد أُعد له ما يصلح من المركب والمنزل والملبس وبدأ أمره يعظم، وأقبل إليه الناس من كل مكان. ولما استشعر يوسف خطر أمره، كتب إلى الأمويين يحذرهم ويخوفهم فقالوا له: إنما أقل ابن معاوية إلينا وإلى جماعة مواليه، يريد المال، ليس فيما يظن الأمير ـ أصلحه الله ـ ولا فيما رفع إليه"، واعتذروا له بما أمكنهم، وأقبل وجوه منهم يريدون أن يجلوا حقيقة ضعف موقفهم للداخل فيما يشبه الاعتذار، تبريراً لما فعلوا، وقالو له: "خفنا مكر الصميل، ولم نأمن غائلته (شره وفجوره) فعرَّفنا الفهري بكذا وكذا".

وبدأ المخلصون من موالي الداخل ومستشاريه الأمناء يَجِدُّون في الدعوة إليه، فمضى يوسف بن بُخْت إلى جند الأردن، فأخذ بيعتهم كلهم، ومضى عبدالله بن خالد إلى جند حمص، ومضى تمام بن علقمة إلى أهل فلسطين، وأقبل الناس من كل مكان، وهنا يبرز مرة أخرى اسم الصميل، الحاكم الحقيقي للأندلس بدلاً من يوسف المغلوب على أمره؛  إذ إنه لما ضاقت الأحوال بالفهري، ولم يأته من الجنود الذين يريد أن ينتصر بهم على الداخل إلا القليل؛ استشار الصميل، فأمره بالمكر بابن معاوية والمخادعة له، معتمداً على حداثة سنه وقال له: هو قريب عهد بزوال النعمة، فهو يغتنم ما تدعوه إليه، ثم أنت بعد ذلك متحكم فيه وفي الذين سعوا بما تحب".

وبناء على نصيحة الصميل قرر يوسف أن يستأنس عبدالرحمن الداخل، بأن يزوجه ابنته، ويُسْكنَه دمشق أو الأردن، أو يسكن بينهما، ويصير إليه أمرهما. وبعث إليه بكسوتين ومطيتين وخمسمائة دينار، ووجه إليه كاتبه خالد بن يزيد، فيما يشبه أن يكون جاسوساً؛ حيث قال: "اعرف أمره، وأي جند عنده، وتأمل أخباره، وأخبار من معه". فخرج في الليل مع أصحابه، وأصبحوا على عبدالرحمن الداخل بالمال والكسوة والمطيتين، ولم ينس يوسف بدراً، فوجه إليه فرساً ومائة دينار وكسوة. فقبل عبدالرحمن الهدية، وكره التزويج. فلما أبى أمر التزويج، أعنف له خالد، رسول يوسف الرد وغلظ عليه بالقول. فما كان من عبدالرحمن إلاّ أن أوثقه وحبسه بعد ذلك، ورد من كان معه إلى يوسف، ولم يرد على يوسف جواباً.

وكان يوسف قد كتب كتاباً إلى عبدالرحمن الداخل، أوله تهديد وآخره استئناس، جاء فيه: "أما بعد، فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك (لعله يعني السفلة الذين اتبعوه) ونزع نحوك من السُراق، وأهل الختر والغدر، ونقض الأيمان المؤكدة، التي كذبوا الله فيها وكذبونا! وبه ـ جل وعلا ـ نستعين عليهم! ولقد كانوا معنا في ذري كنف ورفاهية عيش، حتى غمصوا (جحدوا وأنكروا) ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفاً، وجنحوا إلى النقض! والله من ورائهم محيط! فإن كنت تريد المال وسعة الجناب، فأنا أولى لك ممن لجأت إليه! أكنُفُك، وأصِل رحمك، وأنزلك معي إن أردت، وبحيث تريد، ثم لك عليّ عهد الله وذمته في ألا أغدر بك، ولا أمكن منك ابن عمي صاحب إفريقية ولا غيره.

ويحدثنا تمام بن علقمة حاجب عبدالرحمن الداخل: أنه لما رأى الداخل كتاب يوسف الفهري السابق، وما اشتمل عليه من أمر تزويجه ابنته، أشار عليه كل من أتاه من العرب والأمويين ألا يقبل ذلك من يوسف، إلا في حالة أن يعتزل له عن الملك ويبايعه، وإلا حاكمه إلى الله، وقالوا له محذرين إياه من مكر الصميل، وعدم وفائه بوعوده: "إنما يمكر بك، ولا يفي لك بشيء؛ لأن وزيره ومالك أمره الصميل، وهو غير مأمون".

وبدأ إشهار أمر الداخل على نحو واسع، فاجتمعوا، كما يقول تمام، إلى والي الأردن، جدار بن عمرو، الذي أتوه في ثلثمائة فارس من جماعة الأمويين، وممن أقبل إليهم من وجوه العرب. ثم كتبوا رسائل إلى أهل قنسرين وفلسطين، وأقبل إليهم من عندهم رسل أجابوا دعوتهم، فنهضوا إليهم. وقد يسر الله لعبدالرحمن الداخل من نصرائه من هيأوا أنفسهم للموت من أجله، ومن أجل دعوته، وعقدوا له لواء (علماً ورمزاً)، وأقاموا معه ستة أشهر، يعينونه في أموره، ويكتبون فيها إلى كل الناس يدعونهم لنصره، وبدأت نتائج إيجابية لذلك، ففي كل مكان ينتقلون فيه معه يتلقاه الناس بالترحيب، في البيرة وربَّة وشَذُونة، ومورو وإشبيليه، مطيعين له.

ويضيف تمام ما يؤكد أمر كسبهم للنصرة، حين يعلن أنهم دخلوا ربَّة في ستمائة فارس، وخرجوا منها في ألفي فارس، ثم خرجوا من إشبيلية إلى قرطبة في ثلاثة آلاف فارس. ولما اجتمعت كل هذه الجموع، وعلموا أن الفهري يريد ملاقاتهم والخروج إليهم، جهز الداخل كتائب الجنود، وخرج إليه، ودعا رجلاً من الأنصار ليعقد له اللواء، وتقدم بجنوده، حتى وصل إلى قرية تقع على نهر قرطبة، وكان ذلك في يوم الاثنين السادس من ذي الحجة.

وتلاقى الجمعان والجيشان جيش الداخل والفهري، بعد أن خرج الفهري إلى موضع يقال له المصارة، ووقف بينهما النهر ممتلئاً بمائه. وفي هذا الوقت كانت المجاعات قد أنهكت الأندلس وأهلها لمدة ست سنين، فتركت أثرها فيهم ضعفاً وهزالاً، ولم يكن عيشهم ـ ما عدا من عنده  قدرة على التحمل ـ سوى ما يجدونه في طريقهم من الفول الأخضر. وكان هدف عبدالرحمن، في ذلك الوقت، أن يهجم على قرطبة مقر حكم يوسف، مستغلاً عنصر المفاجأة بعد أن تركها يوسف.

أما يوسف فقد أقبل على رفاهية العيش الهانئ، مقيماً على حاله هو وأصحابه في عيشه سعيداً. وأما عبدالرحمن فقد لحق به كل صاحب نفس قوية، تتحمل كل ما تتحمله من عيش صعب، جاؤوه من اليمن وبني أمية ومن أهل قرطبة. وفي يوم الخميس وكان التاسع من ذي الحجة (وقفة عرفة)؛ قال لهم عبدالرحمن: "إنّا لم نجيء للمقام (أي للإقامة الكاملة)، وقد دعانا هذا الرجل (يعني يوسف) لما علمتم، وعرض ما سمعتم، ورأيي لرأيكم تبع (أي أنا أتبع رأيكم)، فإن كان عندكم صبر وحب للمكافحة فأعلموني، وإن يكن فيكم جنوح (ميل ورغبة) إلى الصلح فأعلموني". فوافقه أهل اليمن كلها على الحرب، ووافقتهم على الحرب بنو أمية، على الرغم أنه كان لديهم رغبة وحرص على الصلح.

وأقام الفريقان على هذه الحال، ينظر بعضهم إلى بعض ثلاثة أيام، وكان النهر حاجزاً بينهما، فلما أصبح يوم الخميس انحسر ماؤه ونقص، فعبأ عبدالرحمن جيوشه، وتهيأ للحرب، ومعه قبائل من العرب والبربر، ولّى على كل واحدة منهما قائداً من قواده. أما حماة بني أمية فقد حاربوا على أرجلهم، محيطين بالأمير عبدالرحمن الداخل، وهو راكب على فرسه، حامل قوسه، فجاوز النهر وعبره، وتقارب الفريقان بعد أن تجاوزا النهر، وظلا بقية اليوم في هدوء وسكون، وقد حاول يوسف الصلح، لما أدرك خطورة الأمر، مرسلاً رسله تتوافد على الداخل.

ولكن الصلح لم يتم أول الأمر بالكيفية التي أرادها يوسف؛ إذ بعد معركة طويلة ساخنة انهزم يوسف الفهري وأصحابه، وعلى رأسهم الصميل، فكرّ عائداً إلى قرطبة حتى وصل إلى قصره، فاعترضه عبدالأعلى بن عوسجة ومنعه من دخول القصر، ورده عنه؛ فولَّى هارباً منهزماً إلى سفح جبل قرطبة. وفي ذلك اليوم، استولى عبدالرحمن الداخل على الملك، بعد جهاد كان لم ينته بعد مع يوسف والصميل. وتمت له بيعة العامة بقرطبة، وتمادى يوسف الفهري في الفرار إلى مدينة إلبيرة.

وفي سنة 139هـ، خرج الأمير عبدالرحمن الداخل طالباً يوسف الفهري والصميل الهاربين الطريدين، فلما علم الفهري بقصد الداخل إليه، هرب منه إلى حيث ترك غرناطة، فاقتفى الأمير عبدالرحمن أثره، حتى إذ كاد أن يمسك به عاد يوسف إلى غرناطة متحصناً بها؛ فحاصره عبدالرحمن. ولما طال حصاره له، طلب الفهري منه الأمان، وأن يعطيه ابنيه رهناً، فأعطاه الداخل الأمان، وقبل منه ذلك، وكذلك للصميل، وعاد كلاهما الفهري والصميل مع عبدالرحمن إلى قرطبة، وكان من شروط الصلح أن يسكن الفهري منزله بمدينة قرطبة، والصميل داره بالرَّبْض.

واستتب الأمر للداخل بعد أن كُسرت إلى حين شوكة عدويه اللدودين الفهري والصميل، وأمر بلعن المُسوِّدة (العباسيين)، وقطع الدعاء لأبي جعفر المنصور، ودخل يوسف الفهري في عسكر الداخل كأحد رجاله، فأنزله على ماله، وأطلق له عياله. وفي هذه السنة 139هـ، ولد له ابنه هشام الملقب بالرِّضى. وكان ذلك في الرابع من شوال، ثم في السنة التالية 140هـ، ودع الأمير عبدالرحمن قرطبة؛ إذ لم تكن له فيها حاجة. وفي هذه السنة أيضاً، دخل على عبدالرحمن رجال من المشرق، من قومه من بني أمية، فأحسن جوائزهم، وأنزلهم خير منزل، وأكرمهم.

ظل يوسف الفهري والصميل فترة من الزمن ملتزمين بشروط الصلح. حتى كان ابن معاوية (الداخل) إذا ذُكر الصميل يقول مادحاً له: لقد صحبني من إلبيرة إلى قرطبة ما مسَّت ركبته ركبتي، ولا تقدم رأس بغله رأس بغلي، ولا استفهمني في حديث، ولا افتتح حديثاً بغير أن يسأل عنه. وكان الداخل لا يذكر مثل هذا الفضل والثناء ليوسف. ويشير صاحب كتاب "أخبار مجموعة" فوق ذلك أيضاً؛ أن يوسف والصميل أقاما مع الداخل على أحسن حال، يزورانه تقرباً، وكان الداخل يحضرهما، ليأخذ رأيهما مرة بعد مرة.

ولم يدم حال الصلح بين يوسف الفهري وعبدالرحمن الداخل؛ على ما هو عليه من الأمن، ففي سنة 141هـ، هرب الفهري من قرطبة ـ كما يخبرنا ابن عذاري ـ ناكثاً، ناقضاً للأيمان بعد توكيدها، فاجتمع إليه الناس، وبلغ جمعه عشرين ألفاً من البربر وغيرهم.

ولهروبه أسباب ونتائج، يروي لنا صاحب كتاب "أخبار مجموعة"، منها قصصاً وعبراً. إذ تتابع على الداخل ناس من بني أمية ومواليهم، وكثروا. وكانت بقرطبة بيوت من موالي بني هاشم وبني فهر وقبائل قريش وغيرهم، وكان كل هؤلاء قد نالوا مع يوسف مكانة ومنزلة. فلما انقطع ذلك عنهم إلى حين، بدأوا يترددون على يوسف ويوغرون صدره، موقعين بينه وبين الداخل، محرّفين الأقوال، يلومون يوسف ويندمونه على ما كان من أمر الصلح. ولم يتركوه حتى كتب إلى الناس يطلب نصرتهم له على الداخل، فرفض بعضهم أن يرجعوا إلى الحرب بعد السلم، وكان من الرافضين للحرب والكارهين لها، الصميل وقبيلة قيس اللذان قالا: حسبنا، قد قضينا الذمام (العهد)، ولا والله، نخلعه (أي لا ننقض العهد).

ولما يئس يوسف منهم، كتب إلى البعض من أهل مَارِدَة ولَقَنْت فأجابوه. ولما علم الداخل بأمره وهربه أرسل وراءه الخيل ففاتهم وهرب، ومضى يوسف إلى (ماردة) حاشداً أهلها من عرب وبربر، ثم أقبل إلى (لَقَنْت) فأخلف أهلها وعدهم له، ثم أقبل إلى أشبيلية، وكان واليها عبدالملك بن عمر المرواني، من ولاة الداخل وأقاربه، وكان ابنه عبدالله بن عمر المرواني والياً على مورو، واستطاع المرواني وابنه في النهاية بعد قصص طويلة يرويها صاحب "أخبار مجموعة" أن يهزما يوسف الفهري بعد حرب شديدة.

بعد أن انهزم يوسف بفضل المرواني وابنه، أتبع المنتصرون جنوده بالقتل، وكان عبدالرحمن في ذلك الوقت ينتظر الحشود حتى أغناه ما عجل بالفتح، وفر يوسف مختفياً بنواحي قرطبة. وكان ذلك عام 142هـ. وفي هذا العام كان هلاكه وقتله على يد بعض أصحابه، وقيل إن قتله كان على يد عبدالله بن عمرو الأنصاري، الذي لقيه على بعد أميال من طليطلة بقرية من قراها، فلما عرفه قال لمن معه: "هذا الفهري وفي قتله الراحة له ومنه". فتقدم إليه، فقتله، واحتز رأسه، وتقدم به إلى الأمير عبدالرحمن الداخل. فلما قرب من قرطبة، وأُعلم الأمير الداخل بخبره، أمر أن يتوقف به (أي برأسه) دون القنطرة. وأمر بقتل ابنه الأكبر المرتهن، واحتز رأسه، وأخرج رأسه إلى رأس أبيه، ووضعا في قناتين لرمحين، حتى وُضِعا على باب القصر. أما ابنه الصغير المسمى بأبي الأسود، فوضع في السجن، ثم ادّعى العمى فيه؛ حتى خدع الأمير وحرّاسه، وهرب بعد ذلك.

أمّا الصميل فقد كان له قصة أخرى وشأن آخر مع الداخل. ذلك أنه لما علم الداخل بأمر هروب يوسف الفهري وخروجه عليه، استدعى الصميل ليوبخه، فاحتج بأنه لا ذنب له، ولو أنه مذنب لهرب معه. فقال له الداخل: لم يهرب حتى استطلع رأيك، وكان لنا عليك النصح. وأمر بحبسه. ويخبرنا علي أدهم أن من أسباب سجن الداخل للصميل؛ أنه لما أغلظ له الداخل القول والتوبيخ، اغتاظ الصميل، وقال له: "لو أنه (يعني يوسف) تحت قدمي هذه ما رفعتها، فاصنع ما شئت".

ويخبرنا صاحب "أخبار مجموعة"، بصيغة المبني للمجهول، أنه أُدخل على الصميل في حبسه من خنقه، فأصبح في حسبه مقتولاً، بعد قتل حليفه يوسف الفهري، وابنه عبد الرحمن الذي خرج على الداخل بعد ذلك. فأُخرج إلى داره، ودفنه أهله، وانقضى أمر الثلاثة. والسؤال الذي يأبى إلا أن يطرح نفسه على القارئ، هو هل بمقتل الفهري والصميل، ارتاح عبدالرحمن وحقق لدولته الناشئة الأمن والأمان؟!

الحق، أن الإجابة بالنفي، إذ إن عبدالرحمن لم يهدأ عنه الثائرون الذين أرادوا أن ينزعوا منه ملكه، لا فرق بين غريب أو قريب، وظل على مدار أعوام ملكه يقاتل كل عام خارجاً عليه، حتى مات ـ رحمه الله ـ في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة 172هـ. وسنكتفي بذكر أمثلة ممن خرجوا عليه، وكيفية ردعه لهم.

لقد كان من أكبر الخارجين على الداخل، والذين كادوا يقضون على دولته، العلاء بن مغيث الجذامي بباجة، إذ دعا إلى طاعة أبي جعفر المنصور، وقام بنشر الأعلام السود التي ترمز إلى العباسيين، فأتبعه عباد كثيرون كادت بهم دولة عبدالرحمن أن تزول، فخرج إلى العلاء من قرطبة، ووصل إلى قرمونة، وتحصن بها مع مواليه وثقات رجاله، كمولاه بدر، ولكن العلاء حاربه حرباً شرسة وحاصره بها أياماً عديدة، فلما طال الحصار، بدأ جنود العلاء يتخلخلون، وأدرك عبدالرحمن ما عليه جنود العلاء من انزعاج وقلق، فلجأ إلى حيلة يشجع بها جنوده. فأمر بأن توقد نار ألقي بأمره أغمدة سيوف أصحابه، وكانوا سبعمائة من مشاهير الأبطال، وقال لهم: "اخرجوا معي لهذه الجموع، خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع" (أي خروج من يطلب الموت والشهادة). فأخذوا معه سيوفهم بأيديهم، وخرجوا لعدوهم، ودارت بينهم حربٌ طويلة، صنع الله فيها معهم معروفه، وانهزم العلاء وأصحابه، وهربوا منهزمين. وقُتل العلاء وطافوا برأسه.

وكان أبو جعفر المنصور، قد أرسل العلاء بولاية الأندلس وانتزاعها من الداخل. فلما ظفر به الداخل، قطع رأسه، وفرّغه، وحشاه ملحاً وصبراً، ووضعه مع علم المنصور داخل وعاء، وبعثه مع رجالٍ له، وأمرهم أن يضعوا الوعاء بما فيه بمكة. وكان المنصور حاجاً في تلك السنة، فوضعوا الوعاء عند باب سرادقه. فلما نظر إلى ما فيه قال: "إنا لله! عرّضنا هذا المسكين للقتل. الحمد الله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان" يعني عبدالرحمن. وقيل إن الذي هزم العلاء، بدر مولى عبدالرحمن الداخل.

هذا، ولم يسلم عبدالرحمن الداخل من أن ينازعه ملكه أقرب المقربين إليه. ففي سنة 168هـ، أراد ابن أخيه (أو ابن أخته كذلك) المغيرة بن الوليد بن معاوية القيام عليه، وكان وطنه في ذلك الوقت بالرصافة، فانكشف له يومئذٍ أمره؛ إذ فضحه علاء بن عبدالحميد، وكان من بعض من تعاقد معهم، فأحضرهم الداخل بين يديه، واعترفوا مقرِّين بفعلتهم، فأمر بقتلهم بمن فيهم ابن أخيه، مستبقياً الفاضح لأمرهم. ولم يطق الأمير من يومها العيش في الرصافة، وغادرها إلى قرطبة. وقد ترك ذلك أثراً نفسياً قاسياً على نفس عبدالرحمن؛ تحدث عنه على أدهم حديثاً طويلاً ومؤثراً في كتابه: "عبدالرحمن الداخل". وكان ما دفع عبدالرحمن إلى قتل ابن أخيه، أن ممن ساعده على الخروج عليه هذيل بن الصميل، ابن عدوه القديم؛ طلباً لثأر أبيه.

عبدالرحمن الشاعر والناثر الأديب

حفظت لنا كتب التراث الأندلسي نماذج من شعر عبدالرحمن الداخل وخطبه وتوقيعاته، تنطق بأنه شاعر وخطيب، وقد حكم بشاعريته وأدبه مؤرخو الأدب، والنقاد معاً. وسنسوق نماذج من شعره وخطبه ونثره، وخطبه مشفوعة بأقوال المؤرخين ومؤرخي الأدب ونقاده قديماً وحديثاً، بما يدعم رؤاهم لشعره ونثره.

إن ابن عذاري المراكشي يرى "الإمام عبدالرحمن فصيحاً، بليغاً، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر". ثم يورد نماذج من شعره ونثره تدعم رأيه فيه، والحق أن معظم ما ساقته كتب التراث من شعره ونثره، يبين ويرسم أجزاء من شخصية عبدالرحمن السياسي الحاكم، والفارس، والإنسان.

فما أملاه عبدالرحمن على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي، أحد الخارجين عليه: "أمّا بعد، فدعني من معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق، لَتَمُدَّن يداً إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لأُلقين بنانها على رضف المعصية، نكالاً بما قدمت يداك؛ وما الله بظلام للعبيد".

ومعنى الكتاب واضح، فهو يأمره ألا يقدم معاذير وحججاً واهية لا تشفع له، بعد أن خرج على طاعة الأمير، الممثل للطريق القويم بوصفه من أولي الأمر. وهو يخيره من موطن القوة والعدل معاً، إمّا أن يطيع الأمير، ويمد يده مطيعاً متمسكاً بحبل الجماعة، أي العهد والأمان والتواصل، أو ليجمع الأمير أصابعه ويضعها على الرضف، وهي الحجارة المحماة جزاء معصيته، وما قدمت يداه من خروج على طاعة أولي الأمر. وبذلك يكون جزاؤه بأمر الشرع، وصاحب الشرع جل وعلا، الذي لا يظلم عباده مطلقاً.

ومن نماذج فن التوقيعات، وهو لون من الأدب الرفيع يعني أداء المعنى والمضمون الكثير في عبارات قصيرة مركزة، تفي بالغرض في إيجاز، يقول عبدالرحمن إلى أحد عماله، يوبخه وقد فرَّط وقصر في عمله: "فإن يكن التقصير لك مقدماً، فَعِدِ الاكتفاء أن يكون لك مؤخراً. وقد علمت بما تقدمت، فاعتمد على أيهما أحببت". والمعنى أن التقصير هو الظاهر والمقدم من أفعالك، فليس أمامك إلا أن تقدم وعداً صادقاً أن تكف عن تقصيرك، وتكتفي منه بما قدمت، فاختر إما التقصير والعزل والعقاب، وإما الرجوع إلى الجد والالتزام.

أمّا عن شعره ورأي المؤرخين والنقاد فيه، فإن آراءهم تدور في حيز الحكم بشاعريته، كل منهم حسب رؤيته. فعلي أدهم المؤرخ الأديب يرى: "عبدالرحمن الداخل وليد أيام الثورات العاصفة، والذي نشأ مثلما ينشأ ابن الملاّح فوق الزاخر الهزج، وعاش عمره فوق غوارب الهزاهز والثورات، يصارعها وتصارعه، لا تشيم فيه بروق الأفكار البعيدة الخاطفة وأضواء النظرات المترامية الشاملة. ولكن المصائب التي حلّت بقومه، وسارت بها الأخبار، وتحدث عنها الركبان عمّقت نفسه، وأفسحت خياله، وحركت فيه عواطف الحقد والكراهية من ناحية؛ ولكنها من ناحية أخرى أطلت به على جانب من جوانب الحياة الشعرية؛ لأن ما رآه من تقلب الحظ وتداول الأيام، وما قاساه من الآلام، بصّره رواية الحياة البشرية في فصولها المختلفة، وجعله يعرف الشقاء ويحس الألم".

وإذا كان علي أدهم يرى الجانب الفكري في شعر عبدالرحمن قليلاً إلى جانب العاطفة التي شكلتها النكبات والمصائب، التي ولّدت في نفسه حياة شعرية، فإن الدكتور أحمد هيكل قد أدخل شعر الداخل في حيّز الشعراء المجددين، الذين يدخل شعرهم المجدد في نطاق الشعر الذي يهتم بالتركيز العاطفي على حساب الفكر. ويورد د. هيكل من شعره ما يبين عن رؤيته مؤرخاً أدبياً وناقداً لشعره. وما ساقه من نماذج هي في الأغلب كل النماذج التي أثبتتها كتب التراث الأندلسي من شعر الداخل. فليعايش القارئ النماذج، ونقد د. هيكل لها والحكم له في النهاية.

فمن شعره، في أوّل نزوله بمنية الرصافة، قوله في نخلة نظر إليها، فهاجت شجنه، وتذكر وطنه:

تبـدَّت لنـا وسـط الرصـافة نَخْلٌةٌ               تناءت بأرض الغربِ عن بلد النخلِ

فقلـت شبيـهي فـي التغُّرب والنَّوَى               وطولِ التنائي عن بُنيّ وعن أهلي

نشأتِ بـأرضٍ أنـتِ فيـها غريبـة               فمثلُكِ  في الإقصاءِ والمُتْنَأى مثلي

سَقَتْكِ غوادي المُزْنِ من صوبها الذي               يَسُحُّ ويستمـري السَمَاكين  بالوبل

ويعلق د. هيكل، على الأبيات السابقة، بقوله: "فعبدالرحمن في هذه الأبيات يتناول موضوعاً تقليداً، وهو الوصف؛ ولكنه يلح على الجانب العاطفي، فيبرزه بحيث يكاد يخفي كل ما سواه من جوانب؛ فهو لم يصف النخلة في طولها، ولا في لونها ولا ثمرها.. وإنما ترك ذلك كله، ليصف النخلة بأوصاف عاطفية، ويصورها بصورة نفسية".

ويكمن سر جمال الأبيات في بروز الجانب العاطفي، الذي يبدو واضحاً من تشخيص النخلة وجعلها إنساناً يخاطبه الشاعر المغترب، ويشكوه غربته، ويجعله شريكاً له في اغترابه وبعده طويل الزمن عن ابنه وأهله. ويعقد الشاعر بينه وبين النخلة، في وصف مؤثر، حالة أخرى من المشاركة في الألم؛ فكل منهما، هو وهي، نشأ بأرض غريبة بعيدة، وفي آخر الأمر، وفي لمسة رومانسية، يدعو لها أن يسقيها المطر من سحب غزيرة.

وقد لاحظ د. هيكل أنّ شعره قد "جاء من حيث الموضوعات والتجارب مصوراً في صدق لجوانب شخصية الرجل؛ وهي جوانب ثلاثة، جانب إنساني يحب ويحن ويرق ويتألم ويبكي، وجانب سياسي يدبر ويحتال ويحزم، وجانب عسكري يقسو ويعنف ويضرب ويفتك". فالجانب العاطفي الإنساني، عكسته بوضوح أبياته في النخلة. أما الجانب السياسي الذي يصور جانباً من كفاحه، فيمكن أن يمثله خير تمثيل الأبيات، التي قالها إلى بعض من طرأ عليه من قريش، واستقل ما كان يعطيه له من الجراية والعطاء، طالباً الزيادة والتوسعة في المنحة، وأطال عليه لسانه بحجة القرابة. والأبيات هي:

سيّان من قام ذا امتعاضِ               بمنتضى الشفرتين نَصْلا

فجـاب قَفْراً وشقَّ بَحْراً               مُسـاميًا لُجَّـة ومَحْـلا

فبـزّ مُلْكاً  وشـادَ عزّاً               وناثراً  للخطـاب فَصْلا

وجنّدَ الجُندَ  حين  أودى               ومصَّر المِصْر حين أجلا

ثم دعـا أهـله  جميعاً               حيـث انتؤوا أنْ هَلُمَّ أهْلا

فجـاء  هذا طريدَ جوع               شريدَ سـيفٍ أُبيدَ  قتـلا

فنـال أمناً، ونـال شِبْعاً               ونـال مالاً وحـاز أهْلا

إن الداخل في الأبيات السابقة يسخر ممن لم يتعب في شيء، ثم يطالب به. فيقول له إذاً فلنسوِّ بين من قام من مجلس غاضباً معترضاً؛ لأنه لم ينل ما يصبو إليه من مالٍ، لم يتعب فيه مطيلاً لسانه، وبين الذي ذاق المر ليحقق لأمثاله من قومه ما هم فيه من نعمة، متحركاً في خوفٍ بين الصحاري طريداً، تسلمه الصحراء لبحر يخوضه مغامراً بحياته، وهو بين أرض جرداء لا حياة ولا طعام فيها، وبحر يخوض لجّه (معظمه)، حتى حقق لأهله ملكاً فائقاً وعزاً بناه بجهده، يخطب في جنوده بالقول الذي لا قول بعده يحمسهم، ويجيش الجيوش، وينشئ لهم بلاداً متحضرة آمنة، هل يستوي من فعل هذا، الذي دعا أهله المشردين، يطاردهم الجوع ويشردهم الخوف من سيف يقطع رقابهم، إلى الأمن والأمان والشبع والمال، هل يستوي مع هذا السفيه، ولو كان من أهله وأقاربه؟!

أحسب أن الشاعر أقنعنا في هذه الأبيات، بما أراد، ليس من خلال العاطفة الجياشة المنفعلة فقط؛ ولكن من خلال مقارنة أساسها الفكر والتفكر. وقد تنبّه إلى هذا د. هيكل الذي "يلاحظ على شعر الداخل أنه يتسم، إلى جانب صدق التجارب، بفنية التعبير، وتتمثل تلك الفنية في طريقة الشاعر التي يتناول بها الموضوعات. فهو في حديثه عن بعض الأشياء لا يصفها من الخارج، وإنما يتعمقها ويعيش معها، ويخلع عليها حياة ترتبط بحياته، ويبث فيها عواطف تشارك عواطفه... وهو في طريقة تناوله للموضوعات، يعتمد على الوجدان في الموضوع الذي أساسه الوجدان، وعلى الإقناع في الموضوع الذي أساسه الفكر".

إذا كان هذا رأي مؤرخي الأدب والنقاد في عبدالرحمن الشاعر والأديب وأدبه؛ فما رأي مؤرخي تاريخه السياسي والحربي، وكذلك الإنساني في جوانبه الأخرى؟ سوف تتكفل بالإجابة عن هذا السؤال آخر نقاط البحث.

عبدالرحمن السياسي في عيون مؤرخيه

إذا كان المؤرخون القدامى الذين أرخوا لعبدالرحمن الداخل، لم يقفوا محللين لشخصيته، ربما لطبيعة التأريخ المحايد آنذاك، فإن بعض  المؤرخين المحدثين كان لهم مع شخصيته ـ قضايا ومواقف وسلوكاً ـ رؤىً ـ فينقلها كما هي، ونترك بعد ذلك فحصها للقارئ، محيلين إياه إلى مصادرها؛ لكي يستزيد إن أراد.

إن علي أدهم يحلل شخصية الداخل في وجه من وجوهها القاسية؛ ولكنه في أكثر من موضع يقدم دليلاً مسوغاً لأفعال عبدالرحمن، فهو يراه في موضع "قد نجح في سياسته، وصحبه التوفيق في عمله؛ ولكنه دفع ثمناً غالياً لنجاحه. فقد اقتضاه الحرص على النجاح وقهر الخصوم والأعداء، ألا يتعفف عن الغدر والخيانة، ولا يتورع عن الدسيسة ولا يبتعد عن الشدة المتناهية. وقد جاء إلى الأندلس طريداً شرَّده الخوف، وأتعبته المطاردة، فلم يجد أمة موحدة القصد، متحدة التقاليد، متقاربة الأخلاق؛ بل وجد على نقيض ذلك أخلاطاً من الأمم، وأنماطاً متباينة من الناس... فكان جل ما يرمي إليه، ويعمل على تحقيقه هو أن يخلق منهم أمة واحدة. وقد أفنى زهرة شبابه وأنضر أيامه في هذه المحاولة الصعبة، وكلفه ذلك مجهوداً جباراً ودماءً غزيرة".

أما عن سياسته وموقفه من مواليه ومناصري دعوته من أصفيائه وأقربائه، فيرى أدهم أنه "تغيرت عليه قلوب أنصاره، والقائمين بدعوته، الذين استعان بهم في الشدائد، فهجروه، وانقطعت بينه وبينهم الأسباب. فابن خالد نقيبه القديم أبى (رفض) أن يسير معه في مسالك (طرق) الخيانة وطرائق الغدر، فهجر خدمته... واتهم بعد ذلك عبيدالله في مؤامرة مع ابن أخي عبدالرحمن، وقيل له إن أبا عثمان هو الذي ضمن له تمام الأمر ونجاح المؤامرة. ولكن عبدالرحمن على الرغم من طغيانه، لم يجد الأدلة كافية للحكم عليه بالقتل، فقال للذين اتهموه: (هو أبو سلمة هذه الدولة؛ فلا يتحدث الناس عنه بما تحدثوا عند بني العباس في شأن أبي سلمة، ولكن سأعتبه عتباً أشد من القتل)...، وبدر خادمه الأمين لم ينجُ من غضبه، ولم يسلم من شدته وانتقامه...".

وينهي علي أدهم تحليله لشخصية الداخل بذكر الحالة التي كان يعيشها في أيامه الأخيرة، قائلاً: "إن عبدالرحمن حاول في أول ولايته أن يستصفي ود رعيته، ولكنه يئس من ذلك في النهاية، وآثر أن يكون مرهوباً على أن يكون محبوباً، وهكذا كان عبدالرحمن يشعر بأنه انتصر على الأجسام والظواهر؛ ولكنه لم يغز القلوب، ولم يأسر الأرواح. وكان في أيامه الأخيرة سليباً من أصدقائه الذين قاسموه عهوده وذكرياته السالفة".

وإلى قريب من رؤية علي أدهم، وإن كانت أخفّ في شدّتها، وأكثر في تسامحها، يرى إبراهيم الدُّوري أنه: "إذا ذكر الداخل ذكرت محاسن وهفوات، فالمحاسن كثيرة وكبيرة، تتجلى في إنشاء دولة، وتوحيد شعب، وإرساء حضارة عظيمة استمرت عدة قرون بعده، وما زالت آثارها شاخصة للعيان إلى يومنا هذا تنطق بعظمة الباني وروعة البناء. أما المساوئ والهنات، فكانت قليلة لا تنقص من شأنه، ولو أنها تسيء إلى تلك الشخصية المبدعة الخلاقة التي يحملها، وتلك الروح الشاعرية الرقيقة التي كان يتميز بها، قبل أن تجعله الدسائس والثورات قاسياً شديد العقاب، كثير الشك في كل ما حوله ومن حوله".

وفي موضع آخر يصف الدوري ـ بما قد يُلتَمَسُ له بعد العُذر دون أن يعذره ـ قائلاً: "وما شدته وقسوته إلا نتاج ثورات كثيرة تراكمت عليه، فأنفق حياته في إخماد نارها، والقضاء على موقديها، وقطع بسيفه البتار رقاباً تطاولت على إمارته، فأطاح بها قبل أن تطيح بذلك السلطان الذي أقامه. وربما كانت تلك القسوة أثراً لما شاهده من مذابح وحشية ومحن قاسية حلت بأهله وقومه بعد زوال دولتهم؛ من تنكيل وتقتيل للأحياء من الرجال والأطفال والنساء، ولم يسلم حتى الأموات من هولها... فنحن لا نبرئه من تلك الشدة والقسوة، لا نبرئه من بضعة دماء بريئة ذهبت في معمعة المعارك، وحبذا لو وطّن نفسه على العفو والحلم والتسامح... لزالت تلك النقاط السود التي شوهت من النقاء والصفاء".

تلك لمحات سريعة لا نزعم أنها غطت شخصية عبدالرحمن الداخل، وهي رؤى يستطيع القارئ أن يحكم عليها من خلال  المواقف التي يمكن أن يستزيد من معرفتها من مصادر البحث ومراجعه.