إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / خالد بن سلطان / دراسات وأبحاث، أعدها صاحب السمو الملكي، الفريق الأول الركن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز









الفصل الأول

إعادة تقييم المصالح الأمنية الأمريكية في عهد من عهود التغيير

 

في عام 1979، تعرضت علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الشرق الأوسط، لتغيير جوهري، إذ وقعت ثلاثة أحداث، على درجة كبيرة من الأهمية، هي:

   1.   تورط السوفييت في غزو أفغانستان، والتداعيات الكبيرة، التي نجمت عنه.

   2.   عملية "كامب ديفيد"، التي أشرف عليها، الرئيس الأمريكي السابق، جيمي كارتر، والتي أثمرت توقيع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، في مارس 1979. ويمكن القول، إن من فوائد هذه المعاهدة، تقليل أخطار نشوب حربٍ، عربية ـ إسرائيلية، خامسة، ولكنها في الوقت نفسه، قد أحدثت فُرقة خطيرة، بين العرب، بل وأحدثت حرجاً شديداً لأصدقاء أمريكا، في المنطقة، فضلاً عن التوتر، الذي شهدته العلاقات، بين الولايات المتحدة الأمريكية ومعارضي المعاهدة، من العرب، مثل الأردن وسورية. كما تولّد عن المعاهدة، مزيدٌ من المرارة، في نفوس الفلسطينيين، وعمّقت الاعتقاد بين الشعوب العربية والإسلامية، أن إزاحة مصر، عن ميدان المعركة، ما هو إلا مؤامرة أمريكية ـ إسرائيلية، ضد المصالح العربية.

ومجمل القول، إنه يتعيَّن النظر، الآن، إلى المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية، على أنها مغامرة جسيمةُ المخاطر، مما يؤكد إخفاق إدارة كارتر، في تحقيق التسوية الشاملة، للنزاع العربي ـ الإسرائيلي، كما أعلنته الإدارة هدفاً لها.

   3.   أدت الإطاحة بالشاه، في إيران، وظهور جمهورية "آية الله الخميني الإسلامية"، إلى أزمة حادة، في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، ولم تكمن آثار هذا الحدث، في أن أمريكا، فقدت حليفاً إستراتيجياً، في المنطقة فحسب، بل في أنها وجدت نفسها، في مواجهة حركة شعبية قوية، شديدة العداء لها، تمتد إلى خارج إيران، حركة  لم تفهمها الولايات المتحدة فهماً كاملاً، وبدا أنها لا تستطيع التكيُّف معها.

تُثبت، كل هذه الأحداث، قدرة الولايات المتحدة الأمريكية المحدودة، على التأثير في التطورات الجارية، في منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي، نادراً، ما خالجها شكٌ، في قدرة أمريكا، على السيطرة على مسار الأحداث فيها. ويكمن وجه التناقض، هنا، في أن هذا التأثير الأمريكي، المُنْحَسِر، قد تزامن مع تعاظم اعتماد الولايات المتحدة على الشرق الأوسط. وبلا شك، يُعد النفط، هو السبب الرئيسي، فالولايــات المتحدة وحلفاؤها، في حاجة إلى نفط هذه المنطقة، للحفاظ على نهضتهم الصناعية وقدرتهم العسكرية، علاوة على أن الاتحاد السوفيتي، لو قُدِّر له أن يُحكِم سيطرته على حقول النفط، في الشرق الأوسط، لحقّق، بذلك، تفوقاً هائلاً، على منافِسته، الولايات المتحدة الأمريكية، ولَحدث خللٌ كبير في التوازن الدولي.

ولذا، يمكن تحديد الأهداف الأساسية للمصالح الأمنية الأمريكية، في منطقة الشرق الأوسط، في الآتي:

  1.    استمرار الحصول على نفط المنطقة.

  2.    احتواء القوة السوفيتية، وعودة الولايات المتحدة، صاحبةً للنفوذ الخارجي الرئيسية في المنطقة(1).

  3.    تحقيق الاستقرار الإقليمي، إذ أنه السبيل، لتحقيق الهدفين السالفين.

ولكن، كيف يمكن الدفاع عن هذه المصالح؟

في ضوء الاضطرابات الإقليمية، ورد الفعل الأمريكي المضطرب إزاءها، كما ثبت من أحداث عام 1979، بات من الضروري، إعادة تقييم الدور الأمريكي والسياسات الأمريكية، في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما يجرى، بالفعل، حالياً، في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ بدأت المناقشات، في أوساط صانعي السياسة، والأوساط الصحفية، والعامة، عن ما يمكن، وما يجب، القيام به.

وقد تراوحت التوصيات، التي تمخضت عنها تلك المناقشات، من تشكيل ما أُطلق علية "قوة الانتشار السريع" وتجهزيها، إلى التخلي عن تدابير استخدام سياسة الذراع القوية، من أجل التوصل إلى فهمٍ أعمق للإسلام والنزعة القومية، في المنطقة. بَيْد أنه، حتى الآن، لم تظهر سياسات، واضحة ومحددة. ولا غرابة في ذلك، نظراً لسرعة تطور الأحدث في المنطقة. ولكن ثمة اتفاق وحيد، على عدم صلاحية المفاهيم، والمعطيات القديمة، لأساليب التدخل الأمريكي.

وبداهةً، تتزامن المناقشات والمناظرات، الدائرة في الولايات المتحدة، مع مناقشاتٍ، بين صانعي السياسة في المنطقة، الذين تتأثر مصالحهم، تأثراً مباشراً، بأسلوب رد الفعل الغربي، عموماً، والأمريكي، بصفة خاصة، إزاء التحدي الأمني الحالي.

ولهذا التحدي وجهان؛ وجه عسكري وآخر سياسي:

فمن الوجهة العسكري، يجب أن يفكر صانعو السياسة، في الإجابة عن  ثلاثة أسئلة:

   1.   ما هي الإستراتيجية الأكثر فاعلية، للأمن الإقليمي؟

   2.   ما هو الدور المطلوب من القوات المسلحة الإقليمية؟

   3.   ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه القوة العسكرية الأمريكية؟

أما من الوجهة السياسية، فتشمل هذه الأسئلة:

   1.   ما هي الإستراتيجية الأكثر فاعلية، لتطوير المنطقة سياسياً؟

   2.   ما هي الإستراتيجية الاقتصادية والتنموية الأكثر فاعلية؟

   3.   ما هي أفضل السبل، التي يمكن أن تنتهجها الولايات المتحدة، للتفاهم مع غالبية القوى القومية، وطموحات المنطقة، القائمة على أساس الشريعة الإسلامية؟

ولا أَعِد، من خلال هذا البحث، بإعطاء إجابات شاملة، على أسئلة بهذا الحجم، ولكن، سأحاول التعرف على دوائر المشاكل، والإشارة إلى الحلول المستقبلية، من خلال دراسة أخطاء الماضي.

 

 

الفصل الثاني

الدفاع السياسي والعسكري عن النفط

 

لو لم ينتج الشرق الأوسط برميلاً واحداً من النفط، لظل مهماً، بالنسبة لقوة عالمية، كالولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الرغم من تقليل أهمية التحكم في الكتلة الأرضية، التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، نتيجة التقدم التكنولوجي، في وسائل النقل والمواصلات، إلا إن التحكم في هذه الكتلة الأرضية، ما زال هدفاً إستراتيجياً، ناهيك عن الطرق البحرية المزدحمة[1]، في الخليج[2]، والمحيط الهندي، والبحر الأحمر.

ولكن، الشرق الأوسط، لا يزال هو خزان النفط الرئيسي، في العالم، ومن ثمّ، يشكّل أهمية بالغة للغرب، ولا ريب في أن ضمان الوصول إلى نفط المنطقة، يُعد من أهم المصالح الأمنية، للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

وتتحدث الأرقام عن نفسها، فالنفط، يمثل حوالي 50% من إجمالي الطاقة، المستهلكة في الولايات المتحدة الأمريكية، 50% منه مستورد، وتسهم منطقة الخليج بنسبة34%، من هذه الكمية المستوردة. ومن الممكن أن تعيش الولايات المتحدة، من دون هذه الواردات النفطية، ولكن، سيكون ذلك على حساب الأمن، ونمط الحياة، بل والسلام الداخلي. وفي المقابل سيمثل انقطاع النفط عن حلفاء أمريكا، كارثة. فالخليج يُمد أوروبا الغربية بأكثر من 60%، من وارداتها النفطية، و70% من واردات اليابان!(1)

الفجوة النفسية

شهد العقد الأخير، تغيراً جذرياً، في وسائل السيطرة، على مصادر النفط، في منطقة الشرق الأوسط، والتحكم في أسعاره. لم يستوعب الرأي العام الغربي هذا التغير، وهذا يفسر ما يعرف بـ (الفجوة النفسية). وتكمن أهمية هذه الفجوة، في تأثيرها، في مواقف الغرب، بما فيه، الولايات المتحدة الأمريكية، نحو منتجي النفط العرب.

قبل الزيادات الهائلة في أسعار النفط، في بداية السبعينيات، كانت الشركات العالمية، التي يملكها غربيون، وتساندها حكوماتهم، تسيطر على صناعة النفط. فكانت تتحكم في أعمال التنقيب عن النفط، وإنتاجه، ونقله، وتكريره، وتوزيعه، وتسويقه، وكذلك، منتجاته.(2)

ومن المعروف، أن أسعار النفط ظلت "منخفضة جداً"، بالقياس إلى المعدلات الحالية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى بداية السبعينيات. ولا شك، أن سهولة الحصول على النفط الرخيص، قد ساهمت في إنعاش اقتصاديات الدول الأوروبية واليابان، وتوسعها، كما ساهمت في تطور نمط الحياة، في العالم الصناعي، كما هو معلوم.

وقد أدت تطورات عديدة، إلى إنهاء عصر النفط الرخيص، وسوق المشترين، أبرزها:

·          إنشاء منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك OPEC" في سبتمبر 1960.

·          حرب يونيه، عام 1967 وإغلاق قناة السويس.

·          انسحاب القوات البريطانية والقوى السياسية، من عدن والخليج، خلال المدة من 1967 إلى 1971.

·          قوة الدول المنتجة للنفط، وتزايد سلطتها السياسية.

·    وأخيراً حرب أكتوبر 1973. (3)

نتج عن هذه التغيرات في ميزان القوى، زيادة أسعار النفط، خلال الفترة من 1971 إلى 1974. وتصاعدت الضغوط على الدول المنتجة للنفط، في عامي 1978 و1979. فالمستهلك الغربي، الذي اعتاد، لفترة طويلة، على النفط الوفير، بأسعارٍ زهيدة، لم يستطع التكيف مع حقائق السوق الجديدة، بالسرعة المطلوبة. هذه هي "الفجوة النفسية"، التي سبق أن أشرتُ إليها. لقد شاب تصرفات الغربيين، الغضب، غير المنطقي، والارتباك والحيرة، مع كل زيادة في أسعار النفط، القادم من الخارج، أو حدوث مشكلة في توفيره، كما لو كان نفطهم هم. وسط هذا الجو، ارتفعت بعض الأصوات، التي ترى أن حل أزمة الطاقة، يكمُن في؛ سقوط منظمة "أوبك"، أو الاستعاضة عن النفط بالوسائل التقنية المتقدمة، أو استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على حقول النفط، والتحكم فيها.

وفي تقديري، إنه بدون منظمة "أوبك"، لما كان لبلدان مثل المملكة العربية السعودية، مثل هذا التأثير، في المحافظة على ثبات أسعار النفط، وإنتاجه بمعدلات معقولة، كما يحدث الآن، ولقلَّت كمية الإنتاج، وخرجت الأسعار عن إطار التكهنات.

هل يمكن اللجوء للقوة؟

تُعرَّف "المصالح الحيوية"، لأي دولة ، حسب المعايير المتعارف عليها، بأنها المصالح، التي تستعد، تلك الدولة، للقتال في سبيلها(4). وقد أكد كبار المتحدثين الرسميين، في الولايات المتحدة، أن حماية تدفق النفط من الشرق الأوسط، من "المصالح الحيوية"، وينبغي الدفاع عنها، بكل السُبُل الممكنة، بما فيها استخدام العمل العسكري(5)، وهو ما أكده الرئيس كارتر، في خطاب حالة الاتحاد، عام 1980(6).

ولكن ما مدى مصداقية تلك البيانات؟ فقد صدرت دراسة حديثة، عن مركز بحوث الكونجرسCongressional Research Service ، مؤداها، أن الولايات المتحدة، ليست لديها القدرة العسكرية، الكافية، في الوقت الحالي، لنشر قوة حاسمة، في منطقة الخليج(7)، وقد أيّد ذلك، كل من رئيس الأركان، ووزير الدفاع الأمريكي "هارولد براون Harold Brown " في شهادتهما، في هذا الشأن، أمام الكونجرس.

يغيب، أحياناً، عن شرائح الرأي العام، التي تنادي باستخدام القوة، لضمان تدفق النفط(8)، أن القضية، لا تكمن فقط، في الاستيلاء على حقول النفط، ولكن في الحفاظ على السيطرة على هذه الحقول، لفترة لا يعلم مداها إلا الله، والدفاع عنها ضد أي هجوم، أو عمل تخريبي، تتعرض له، فضلاً عن  احتمال تشغيل هذه الآبار، باستخدام العمالة المحلية، في تلك المنطقة. إن هجوم قوة عظمى على أي دولة إقليمية، منتجة للنفط، سيواجه صعوبات شديدة، لو كان لدى تلك الدولة، الإرادة في الدفاع عن نفسها. إذ أنه بتبني أسلوب الدفاع التقليدي، (طبقا لتكتيكات القتال الحديثة في الجيش الأمريكي)، يمكن للواء، أن يتصدى لفرقة بأكملها، وفي نهاية المطاف، قد تلجأ، تلك الدولة النفطية، إلى تدمير منشآتها النفطية، بنفسها، ولا تدعها تسقط في أيدي المعتدي.

فالعرب سيناضلون، بكل ما أوتوا من قوة ، للحفاظ على كرامتهم. وقد قال الملك فيصل، في أحد الاجتماعات الخاصة، مع أحد المسؤولين الرسميين الدوليين، في عام 1973، "إننا نفضل العودة للعيش على التمر واللبن، على أن نخسر أرضنا وتهان كرامتنا. إنَّ هذا الجيل لن ينس تراثنا، ولا جذورنا".

ثمة عقبتين واضحتين، سيواجههما أي هجوم عسكري أمريكي، على المنطقة، وهما طول المسافة، بين الخليج العربي والشاطئ الشرقي للولايات المتحدة، التي تبلغ حوالي 7000 ميلاً بحرياً، والمساحات الشاسعة، التي تقع فيها حقول النفط، بالمنطقة. فالمملكة العربية السعودية، وحدها، تملك أكثر من 800 حقل نفط، يربط بينها خطوط أنابيب، يبلغ طولها، ثلاثة آلاف ميل، ويبلغ محيط الخمسة آبار الرئيسية منها، 10000 ميلاً مربعاً، أي ضعف مساحة ولاية كونيكتكتConnecticut (9).

و كما يعرف كل من يعمل في مجال النفط، إن منشآت النفط، في منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن حمايتها، ضد أي هجوم إرهابي. فتعرُض محطة ضخ واحدة، لأعمال تخريبية، يمكن أن يؤدي إلى إغلاق خط الأنابيب، لمدة (90) يوماً، إذ من الصعب إخماد حرائق النفط، لأسباب، واضحة للجميع. ولهذا، تُعدّ حقول النفط، عُرضة للهجوم، ولا يمكن للقوات المسلحة الدفاع عنها.

وطبقا لتقرير، أعدّه كلٌ من جون كولينز John Collins ، وكليد مارك Clyde Mark، ونشره مركز بحوث الكونجرس الأمريكي، تمتلك الولايات المتحدة 19 فرقة مقاتلة، عاملة، (منها ثلاث فرق مشاة بحرية)، و162 سرب طائرات مقاتلة/هجومية، و13 حاملة طائرات(10 ). ولكن معظم القوة العسكرية الأمريكية ـ إما ملتزمة بالاشتراك في قوات حلف شمال الأطلسي، في منطقة القيادة الأوروبية، EUCOM، أو بالدفاع عن كوريا واليابان، في منطقة قيادة الحلف، في منطقة الباسفيكي PACOM. وتمثل القوات، الموجودة في البلاد، من قوات القارة الأمريكية CONUS، الاحتياطي الإستراتيجي، للقوات الأمريكية، التي تقدم، في الوقت نفسه، المتطلبات الأساسية للقوات الأمريكية، بشكل دوري. ولذلك، لا يوجد إلا جزء ضئيل من القوات الأمريكية، يمكن القول إنه غير مكلف بمهامً أخرى، لاستخدامه في أغراض الطوارئ، في منطقة الخليج.

وتُقَدّر قوات التدخل السريع الأمريكية، في "أفضل الأحوال" (عدم وجود تهديد مباشر من الاتحاد السوفيتي) بخمس فرق، ونحو 56 سرباً من الطائرات المقاتلة/الهجومية، ومن ثلاث إلى أربع حاملات طائرات. وفي "أسوأ الأحوال" (الحالة التي تواجه فيها الولايات المتحدة تهديداً مباشراً من الاتحاد السوفيتي، في منطقة حلف شمال الأطلسي، أو في أي منطقة أخرى)، تُقدر القوات الأمريكية، التي يمكن تعبئتها لعمليات الطوارئ، بفرقة واحدة، و26ـ 30 سرباً جوياً، وحاملة طائرات واحدة.(11)

وعلى الرغم من تفوق، هذه القوات، في التدريب والعتاد الحربي، فلا يمكن الجزم بحسمها المعركة، في "أحسن الأحوال"، إذا أخذنا في الاعتبار، حشد القوات الإقليمية (كالقوات العراقية مثلاً)، والتضاريس، والعداء، الذي سيثيره العدوان، لدى شعوب المنطقة. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة، لا يمكنها استخدام منشآت عسكرية، من أي منطقة قريبة، ولا يمكنها، كذلك، استخدام، مخزونها، من المعدات والأسلحة الثقيلة[3]، الرابضة في أراضيها، علاوة على ما سيمثله القتال، في أراضٍ، بعيدة عن أراضيها، من تحدٍ كبير، لإمكانيات النقل الجوي والبحري، الأمريكية.

و لمواجهة هذه المشاكل، يُتوقع، أن يطلب الرئيس كارتر من الكونجرس، مخصصات مالية إضافية، لتمويل طائرة النقل الجديدة CX (التي تصنعها شركة لوكهيد)، التي يمكنها نقل الأفراد، والدبابات، والمدفعية، مباشرةً، من الولايات المتحدة إلى أي بقعة اضطراباتٍ، خارج الولايات المتحدة. إضافة إلى، سفن شحن، ذات تصميمٍ خاص، لنقل المعدات، يمكن القول أنها ترسانات عائمة، ستتمركز بالقرب من أي منطقة قتال محتملة. ولكن، لا يُتوقع أن تكون أول هذه الطائرات جاهزة، قبل منتصف الثمانينيات، على الأقل. (12)

وللوفاء بحاجة الولايات المتحدة من مرافق القواعد العسكرية، في الشرق الأوسط، اقترح وليم سافير William Safire، أحد المعلقين الأمريكيين، ويعمل في مجلة "نيويورك تايمز New York Times "(13)، أن تُبرم الولايات المتحدة، عقوداً ايجارية، طويلة المدى، لقاعدتي سيناء الجويتين، اللتيني تخلّت إسرائيل عنهما لمصر. إذ تحتوي هاتان القاعدتان، على أحدث المعدات، وستكونان جاهزتين للعمليات، فور استلامهما. ولكن القول بأن الولايات المتحدة ستستخدمهما ضد أهداف في الشرق الأوسط، يُعد من قبيل تجاهل المسلمات السياسية، إلا إذا تخطى العدوان السوفيتي حدود أفغانستان، وهدد منطقة الخليج تهديداً مباشراً، حينئذ ربما توافق دول أخرى، في المنطقة، على استخدام الولايات المتحدة، منشآتها العسكرية.

والخلاصة، أنَّ الولايات المتحدة، ليست على استعدادٍ تام، في الوقت الحاضر، لنشر قواتٍ عسكرية، من جانبٍ واحد، في أزمة، قد تهدد وصولها إلى نفط الشرق الأوسط.

المعارضات السياسية لاستخدام القوة

إن التدخل العسكري، حتى وإن كان خياراً مجدياً، فهو محفوفٌ بأخطار جسيمة، تؤدي إلى نتائج عكسية. فالرأي العام، في الشرق الأوسط، لن يحتمل استخدام القوة، من جانب أي جهة خارجية. ومما لا ريب فيها، تفجر غضب الجماهير، ضد المصالح المحلية للمعتدي. ومن الجدير بالذكر، أن الوطن العربي، يُعد متحداً، على مستوى المشاعر الشعبية، على الأقل. وأي حادث، في أي منطقة منه، قد يؤدي إلى سلسلة من أعمال العنف، تمتد آلاف الأميال. وبداهةً، لن يُستثنى المواطنون الأمريكيون، والمنشآت والمصالح الأمريكية، في أرجاء المنطقة، في حالة التدخل العسكري الأمريكي، في الخليج.

إن درس حرب السويس، منذ ربع قرن تقريباً، ما زال عالقاً في الأذهان. فالتدخل العسكري الغربي، في الوقت الحالي، سيهيئ الأجواء لما هو أقوى من "السويس"، إذ إنه سيؤدي إلى تدمير المواقع الغربية، وتشجيع أعمال العنف، وتحويل المعتدلين إلى متطرفين.

هل يعني هذا، أن القوة العسكرية، لا دور لها، في حماية وصول الغرب إلى نفط المنطقة؟

الإجابة، هي بالقطع " لا " ، فهناك مجالان أمام القوى الغربية، يمكن لها أن تقوم بدورٍ حيوي، فيهما:

المجال الأول: نشر قوات بحرية "وراء الأفق"، للقيام بمهام الردع وتحقيق الاستقرار. وينبغي أن تكون هذه القوات على استعداد، لطرد أي عدوان، على منطقة الخليج، من قبل الاتحاد السوفيتي، أو من ينوب عنه، أو من جانب مثيري الشغب في المنطقة. وفي هذه الحالة، سيُقبل تدخل القوات الغربية، سياسياً، إذا دعتها الدولة الضحية لذلك.

المجال الثاني: تدريب القوات المسلحة، التابعة للدول الصديقة، في المنطقة، وتسليحها، وتقويتها بصفة عامة. فلابد أن تضطلع هذه الدول، بالمسؤولية الأولى، في الدفاع عن مصالحها النفطية.

الدفاع عن النفط بالطرق السياسية

إن أفضل السُبل للدفاع عن النفط، في هذا العالم المضطرب، يجب أن تكون سياسية، لا بالقوة العسكرية، أي، لا بد من تبني سياساتٍ، تلقى تأييداً واسعاً، من مواطني الدول المنتجة للنفط. ويعد هذا جزءاً من منظومة أكبر، لضبط العلاقات السياسة والاقتصادية، بين الدول الصناعية والدول النامية، إذا أريد تحقيق قدرٍ من الاستقرار لهذا العالم، الذي نعيش فيه. والحقيقة، أن العلاقة بين الشمال والجنوب، ربما تؤدي إلى المردود نفسه من العلاقة بين الشرق والغرب، وهو صراع، يقوِّض الاستقرار، في العالم. ومن هنا، كانت الحاجة، المعروفة للجميع، لما يسمى "النظام الاقتصادي العالمي الجديد". وفيما يخص النفط، فلا بد، من البحث عن إستراتيجية دولية للطاقة، تحقق التوازن العادل، بين مصالح الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة له.

وباختصار، ينبغي أن يسد الغرب "الفجوة النفسية"، ولابد من الاعتراف بأن النفط موردٌ نادرٌ ومحدودٌ، ولابد للمنتجين من المحافظة عليه، من أجل الأجيال القادمة، ولابد من استثمار عوائده، على المستوى المحلي والخارجي، لاستحداث مواردٍ إضافية. والأهم من ذلك، الحذر في صياغة أنماط التمدن والتطور، في الدول المنتجة للنفط، لتجنب التضارب بين التمدن وتقاليد المجتمع.

وتُعد ترجمة هذا الأفكار المجردة، إلى سياسات عملية، هي التحدي، الذي يواجهه العالم الغربي، وقادة الدول المنتجة للنفط.

 

 

الفصل الثالث

تنافس القوى العظمى في الشرق الأوسط

 

مناقشة المفاهيم

السياق العام

يبدو أن التنافس سيكون على أشده، في المستقبل القريب، بين القوتين العظميين، على المناطق، التي تحتوى على مواد خام إستراتيجية، في قارتي آسيا وأفريقيا. وربما تكون الحروب في المستقبل، هي "حروب الموارد".

وفي ضوء اعتماد الغرب على نفط الشرق الأوسط، وتزايد اهتمام الكتلة الشرقية، به، فقد أصبحت، المنطقة محل تنافس حاد، بين القوى العظمى. وفي أوروبا، يخفف الانفراج بين الدول، حدة التنافس. أما في الشرق الأوسط، حيث لا مثل هذا الانفراج، فلا قيود على تنافس القوى العظمى.

ولا ريب في أن الحشد المستمر للقوة العسكرية السوفيتية، على مدار السنوات الأخيرة، قد حول المناخ الإستراتيجي لمصلحة الاتحاد السوفيتي، وأقصد هنا، على وجه الخصوص:

   ‌أ.    التكافؤ الإستراتيجي، الذي حققه الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة.

  ‌ب.   "القدرة على الوصول للعالم"، التي وصل إليها الاتحاد السوفيتي، بتطوير مختلف نُظم الأسلحة الجوية، طويلة المدى، والمتطورة.

بإيجاز، يمكن القول، إن الاتحاد السوفيتي، يمتلك، الآن، القدرة، ويبدو أنه يمتلك الإرادة، للتدخل في العالم الثالث، الذي يبُعد آلاف الأميال، عن حدوده. في الوقت الذي تبدو فيه قدرات الغرب وقوة إرادته، آخذة في التراجع(1). وتُسبب هذه الاتجاهات، قلقاً كبيراً، لدى الدول التي، تحتوي أراضيها على الموارد الطبيعية، وتجعل منها أهدافاً، مسلوبة الإرادة، أمام المنافسة الدولية.

مفاهيم إستراتيجية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ 34 عاما، دأبت الولايات المتحدة على إقصاء الاتحاد السوفيتي، من منطقة الشرق الأوسط، وبالدرجة نفسها، من الدأب والمثابرة، حاولت موسكو اختراق الدفاعات الغربية، لبسط نفوذها على المناطق الواقعة على حدودها الجنوبية، ذات الأهمية الاستراتيجية. ومرّ هذا الصراع، بحالات مدٍ وجزر. وحقق الاتحاد السوفيتي، خلال الفترة، من منتصف الخمسينيات حتى وفاة الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، عام 1970، مكاسب مهمة، في هذا الصراع. ثم تحول المد لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ومع منتصف السبعينيات، كان الاتحاد السوفيتي قد طُرد إلى خارج حدود المنطقة. والآن، في بداية الثمانينيات، يحاول الاتحاد السوفيتي، تحسين وضعة، بينما تعانى الولايات المتحدة من نكسات خطيرة.

وقد تميزت السياسة الأمريكية في السنوات، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بمفهومين استراتيجيين:

المفهوم الأول: وهو ما يسمى مبدأ "الاحتواء"، الذي ارتبط باسم وزير الخارجية جون فوستر دولس John Foster Dulles. تضمن هذا المذهب، الذي وُضع في أوائل الخمسينيات، بناء خط دفاع، على الحدود الشمالية، للمنطقة، لمنع توسع القوة السوفيتية. وكان أهم النتائج التي حققها، حلف بغداد، عام 1955 ( شملت الدول الموقعة عليه، تركيا، وإيران، والعراق، وباكستان، بالاشتراك مع المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية)، ووريثه "معاهدة منظمة الحلف المركزي" CENTO .

المفهوم الثاني: نشأ في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وهو ما يطلق عليه، "مبدأ نيكسون"، والذي بمقتضاه، كانت الولايات المتحدة، تسعى إلى إيجاد حلفاء استراتيجيين في المنطقة، للدفاع عن مصالحها الإقليمية. وقد أصبح هذان المفهومان في عالم النسيان.

الاحتواء

لم تكن سياسة الاحتواء، إستراتيجية فعّالة، في وقت من الأوقات. فبجانب فشلها، في إقصاء الاتحاد السوفيتي، عن المنطقة، أتاح حلف بغداد، الذي فرّق بين العرب، للاتحاد السوفيتي، الفرصة لدخول المنطقة. وكانت صفقة السلاح، التي أبرمها عبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي، عام 1995، أول دخول رسمي لروسيا، في منطقة الشرق الأوسط، وكانت تلك الصفقة، رد فعلٍ مباشر على حلف بغداد.

أما منظمة الحلف المركزي، فقد حُلت، في سبتمبر عام 1979، بعد أن فقدت فعاليتها، لتدهور العلاقات بين الدول المؤَسِّسَةِ لها. وكان العراق، أول دولة تخلت عن إستراتيجية "الحلف الشمالي"، بعد الإطاحة بالملكية، في يوليو عام 1958، ولكن، مما لا شك فيه، أن أسباب القضاء الكامل على هذا الفكر، جاءت مع قيام الثورة الإيرانية، عام 1978-1979، التي نتج عنها تفكك القوة المسلحة الإيرانية، وانقلاب الدولة، من حليف للغرب إلى دولة محايدة.

وكانت تركيا، هي الدولة الوحيدة في الحلف الشمالي، التي بقيت حليفة للغرب، ولكنها تمر بحالة اضطراب سياسي واقتصادي كبير، فقد ضعفت قواتها المسلحة، نتيجة حظر الأسلحة الأمريكي، عقب الأزمة القبرصية، وأصيبت الدولة كلها بخيبة أمل من الغرب، وقد علق الدكتور شهرام شوبين Shahram Chubin، من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، بلندن، على ذلك، بقوله:

"إن رغبة تركيا في السماح للاتحاد السوفيتي بالمرور عبر أجوائها، يمكن أن يفاقم مشاكل الغرب، في وقت رد الفعل، والإمداد والتموين، في حالات الطوارئ، في الخليج. إن بُعد تركيا عن التحالف الغربي، يهدد المصالح الغربية في منطقة الخليج، ومنطقة البلقان، ودول البحر المتوسط، بأضرار لا حدّ لها."(3)

مبدأ نيكسون The Nixon Doctrine

نشأ مبدأ نيكسون، نتيجة توّرّط الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام. وكان المبدأ في الأساس محاولة، لفك ارتباط قوات القتال الأمريكية، في هذه الحرب، في الوقت الذي تسلح فيه الولايات المتحدة  نظام "سايجون Saigon"، للقتال عن نفسه. ويقوم مبدأ نيكسون، كما ورد في تفسيره له، في 25 يوليو عام 1969 ( في مؤتمر صحفي في "جوام Guam)، "فتنمةVietnamization " الحرب الفيتنامية.

أما تطبيق هذا المبدأ في الشرق الأوسط، فإنه يعني تسليح إسرائيل وإيران، وبدرجة أقل الأردن، وإعدادهم كشركاء إقليميين إستراتيجيين، للسياسة الأمريكية، في المنطقة (3). وكان ينظر إلى هذه الدول الثلاث، في واشنطن، على أنها دول حفظ السلام بالمنطقة. وكان مؤدى هذه النظرية، أن مساعدة، وتسليح هؤلاء الشركاء المختارين، ستجعل منهم بديلاً، للوجود العسكري الأمريكي، باهظ التكلفة، أو بديلاَ عن التدخل العسكري، غير المرغوب شعبياً.

وكسابقه، مبدأ الاحتواء، لم يصمد "مبدأ نيكسون"، أمام الأحداث. فقد انتهت قوة الشاه، وأخذ الأردن في الابتعاد عن الولايات المتحدة الأمريكية، تدريجياً، في أعقاب معاهدة السلام، بين مصر وإسرائيل،  وتوترت العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، نتيجة التفسيرات المتباينة، لاتفاقية كامب ديفيد. ومن الواضح، أن إسرائيل لا يمكنها الدفاع عن المصالح الأمريكية، بمنطقة الشرق الأوسط، وأن أي اعتماد أمريكي على إسرائيل، في هذا الشأن، يُعد أقصى أنواع التهور.

ولا يبدو وجود ظروف في المستقبل القريب، تمكِّن الولايات المتحدة، من الاستفادة من إسرائيل أو المرافق الإسرائيلية، ضد أي دولة عربية، دون تعرُّض العلاقات الأمريكية ـ العربية، لأضرارٍ بالغة.

وواضح، أن الدعم الأمريكي المستمر، لإسرائيل، منذ أكثر من 30 عاماً، في سياستها التوسعية، وتدمير الدولة الفلسطينية، وفرض إرادتها على العالم العربي بأكمله، كان المصدر الرئيسي لمشاعر العداء، في المنطقة، ضد أمريكا، ومصدر التهديد الرئيسي لمصالحها. وقد تصاعد غضب الرأي العام العربي، نتيجة الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، حتى حين تبين لأمريكا  أن إسرائيل، لا تكترث بحماية مصالحها في المنطقة.

وقد وصل الغضب، والإحباط العربي إلى حد الانفجار، خاصة في الأعوام 1956، و1967، و1973. ولم يغفر العرب لبريطانيا، وفرنسا، تآمرهما مع إسرائيل، في حملة السويس، عام 1956، إلاّ بعد سنينٍ طويلة. وأي محاولة أمريكية، في الوقت الحالي، لإدراج المساعدات الأمريكية لإسرائيل، في إي صراع محلي، ستكون عواقبها وخيمة، على وضع الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وعلى أمن أصدقائها.

ويبدو أن أمريكا قد استوعبت هذا الدرس، كما يلاحظ من ترددها في قبول العرض الإسرائيلي، لاستخدام المرافق العسكرية الإسرائيلية، في أي أعمال دفاعية في منطقة الخليج.

باختصار، يمكن القول، إنّ إسرائيل استفادت من الولايات المتحدة لأقصى حد، ولم تستطع أمريكا الاستفادة من إسرائيل، في الدفاع عن مصالحها. بل على العكس، لابد، من النظر إلى العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، على أنها تسبب حرجاً كبيراً، ليس فقط لأمريكا، بل لكل من يريد الخير لها.

والوضع الحالي، هو أن الغرب، والولايات المتحدة، على الأخص، يجدوا أنفسهم، من دون مفهوم إستراتيجي مجدي، يستطيعون به، مواجهة التوسع السوفيتي، أو الصراعات المحلية في المنطقة، التي يمكن للاتحاد السوفيتي أن يستغلها.

وهل على الولايات المتحدة أن تعمل من جانب واحد؟ وهل تسعى إلى تعاون حلفائها في أوروبا الغربية واليابان؟ وهل يجب أن تشجع تكوين حلف أمنٍ إقليمي؟ وهل يجب أن تقتصر على تسليح وتدريب، القوات المسلحة المحلية، على أساس ثنائي؟

إن اتساع الآراء وتشعبها، يؤكد الوضع الحالي من التحدي المستمر، والتحرك السريع للأحداث. ومن الواضح أن البحث جارٍ، في الولايات المتحدة، عن مفهوم إستراتيجي جديد.

 

 

الفصل الرابع

الصراع على الحدود الخارجية

 

يمكن بحث التنافس الأمريكي ـ السوفيتي، بسهولة، في منطقتين جغرافيتين متميزتين، هما:

   ‌أ.    الحدود الخارجية للشرق الأوسط، وخاصة، منطقة القرن الأفريقي، وجمهورية اليمن الشعبية الديموقراطية، وأفغانستان.

  ‌ب.   والمناطق المهمة في العالم العربي، في المشرق والمغرب[4].

باختصار، حقق الاتحاد السوفيتي مكاسب مهمة، على حدود منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي تدعم فيه الولايات المتحدة، وضعها كقوة خارجية مسيطرة، في هذه المناطق، على الرغم من أن وضعها لا يواجه أي نوع من التحديات.

وهنا لابد من التحديد:

أولاً: لم يحن الوقت بعد، لقصر أي جزء من منطقة الشرق الأوسط، تحت نفوذ أي قوة خارجية بعينها. فالقومية المحلية تنتصر في كل مكان، على الرغم من أن العلاقة بين المصالح المشتركة والصداقة، وشراء الأسلحة والتجارة فيها، قد تدفع بعض الحالات الفردية نحو هذا التكتل أو ذاك.

ثانياً: أننا لا نعيش في عالم ثنائي القطبية، إذ أن هناك قوة ثالثة، متنامية، يجب وضعها في الحسبان، وهي الصين، وأن كثيراً من المبادرات السوفيتية، يجب تفسيرها في نطاق المنافسة الأمريكية ـ السوفيتية، أكثر منها منافسة سوفييتية مع عدو شيوعيٍ، في الشرق.

إذا أخذنا هذه المشاكل في الاعتبار، فمن المفيد عمل موازنة بين المكاسب والخسائر الأمريكية والسوفيتية، في منطقة الشرق الأوسط، في محاولةٍ، للتعرف على اتجاه مسار الأحداث، مستقبلاً.

جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الفلك السوفيتي

مما لا شك فيه، أن أهم المكاسب الإستراتيجية ،التي حققها الاتحاد السوفيتي في المنطقة، هي نجاحه في إيجاد موطئ قدمٍ له، في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية. وقد أخذت العلاقة بين الدولتين شكلها الرسمي، مؤخراً، بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون، في أكتوبر عام 1979. ومن هنا، يجب النظر إلى الزعيم اليمني عبد الفتاح إسماعيل، على أنه أقوى حليف للاتحاد السوفيتي، فبي المنطقة العربية، وقد وقّع الحزب الاشتراكي اليمني، الذي يتزعمه، معاهدة، طويلة المدى، للتعاون مع الحزب الشيوعي السوفيتي.

تاريخ الاختراق الشيوعي

إنّ الاهتمام السوفيتي، بجنوب شبة الجزيرة العربية، له تاريخ طويل. ففي أوائل أكتوبر عام 1955[5]، وقّع إمام اليمن معاهدة مع موسكو، وكان ذلك، أول دخول للسوفيت شبة الجزيرة العربية. وقد كُوفئ الإمام بمساعدات عسكرية واقتصادية ضئيلة، لتدعيم موقفه، المعارض لبريطانيا، وتدعيم حكمه في عدن، والمناطق المتاخمة لها.

وفي سبتمبر عام 1962، أُطيح بالإمام، وظهرت الجمهورية العربية اليمنية. وبدا أن المنطقة مهيأة، لنشوب حرب أهلية طويلة، وفعلاً استمرت من عام 1962 إلى عام 1967، خاضها أكثر من 60 ألف، من القوات المسلحة المصرية، يدعمهم الاتحاد السوفيتي، بالسلاح والتموين، ضد "القبائل الزيدية"، المؤيدة للحكم الملكي، التي كانت تلقى تأييداً من المملكة العربية السعودية. وقد أجبرت هزيمة يونيه، عام 1967، الرئيس عبد الناصر، على سحب قواته، من اليمن. وفي فترة السلام، التي أعقبت ذلك، ابتعدت الجمهورية العربية اليمنية، عن المعسكر المصري ـ السوفيتي، على الرغم من احتفاظها ببعض العلاقات مع موسكو.

و في تلك الأثناء، كانت المستعمرة البريطانية، في عدن ومحمياتها تتحرك نحو الاستقلال، تحت اسم "الاتحاد العربي الجنوبي". ومن منطلق علمه بعزم بريطانيا على الانسحاب، من جنوب شبه الجزية العربية، حذّر الملك فيصل، لندن من استيلاء العناصر الشيوعية على السلطة، في اليمن، في حالة الانسحاب البريطاني غير المتأني.

كانت نصيحة الملك فيصل للبريطانيين، ألاّ ينسحبوا، إلا بعد توحيد الشعب في الجنوب العربي، في ظل حكومة قوية، يحكمها دستور، مستمد من العادات المحلية والتقاليد الإسلامية، ولكن، للأسف، تجاهل البريطانيون هذه النصيحة.

ونتيجة لذلك، حينما انسحب البريطانيون، في نوفمبر عام 1967، استولى تنظيم سري، مكوّن من عناصر ماركسية ـ لينينية ـ ماوتسية، هو "جبهة التحرير الشعبية"، على السلطة، في عدن، وسرعان ما امتدت سيطرته إلى جميع أنحاء البلاد. وفي نوفمبر عام1970، نجحت المجموعة الموالية للسوفييت، في طرد منافسيها، وإعلان الجمهورية الديموقراطية الشعبية اليمنية، كقاعدة، تنطلق منها الثورة الاشتراكية، في شبة الجزيرة العربية. ومنذ ذلك الحين، تدفق الخبراء والمستشارون، من الاتحاد السوفيتي، وكوبا، وألمانيا الشرقية، لتقديم المعونة والسلاح.

وفي عام 1978، أصبح عبد الفتاح إسماعيل، المتشدد، رئيس المجلس الشعبي الأعلى (بعد قتل خصمه الرئيسي، الرئيس الرُبيع على)، وأعاد تشكيل حكومة الجمهورية الديموقراطية الشعبية اليمنية، متبنياً نمط ألمانيا الشرقية. وكان من نتيجة هذه الأحداث، أن أصبح في قدرة الاتحاد السوفيتي، استخدام جميع المرافق الجوية والبحرية، التي أنشأتها بريطانيا. لقد خدمت عدن بريطانيا، كقاعدة إقليمية قوية، ومركزاً للتصنت، لمدة قرن من الزمان، وقد ورثها، الآن، الاتحاد السوفيتي.

وتعد عدن أفضل ميناء، في هذا الجزء من العالم، فهو أفضل من ميناء بربرة، في الصومال، المقابل لخليج عدن، الذي كان للاتحاد السوفيتي به مرافق سابقة. فعلى خلاف ميناء بربرة، يمتلك ميناء عدن أرصفة، ومرافق تخزين وإصلاح جيدة، وموارد وافرة للمياه العذبة، والوصول إلى هذه المرافق، يسهِّل تعزيز وجود البحرية السوفيتية، في المنطقة.

وكان الأهم من ذلك، المرافق الجوية، التي وصل إليها الاتحاد السوفيتي، في جمهورية الديموقراطية الشعبية.وقد أثبتت القواعد الجوية، في الجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، أهميتها، في شتاء عام 1977 – 1978، حين نقل الاتحاد السوفيتي، أعداداً كبيرة من القوات، وكميات ضخمة من المؤن، جواً، إلى النظام الإثيوبي، الذي كان يواجه كثيراً من المشاكل.

وقد قيل أن الوصول بعدن إلى ما آلت إليه، قد سهّل للسوفييت الحصول على تصريحات مرور، في أجواء تركيا والعراق وإيران(1).

في العام الماضي، كانت طائرات دورية الاستطلاع من نوع  Ilyushin ASW 38، المتمركزة في عدن، تحلق في حرب مضادة للغواصات، وتقوم بمهام استخبارية، لرصد تحركات البحرية الغربية، في المحيط الهندي.

أثر جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في

استقرار شبه الجزيرة العربية

كان لتزايد الوجود السوفيتي والكوبي والألماني الشرقي، في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، أثره في عدم استقرار شبة الجزيرة العربية كلها. وكان لفرض نظام حكم استبدادي، على مجتمع عربي، يغلُب عليه الطابع القبلي، نتائج وتداعيات، أبعد من حدود جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية. ويروي اللاجئون الفارون، من هذا الجيب الشيوعي، قصصاً، عن حياة التقشف، والممارسات القمعية، وكذلك، تنامي خطر القوة العسكرية، في تلك المنطقة.

إن جانباً من الصعوبات، التي تواجه القادة الغربيين والعرب، لمواجهة التحدي، الذي تمثله جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، يكمن في الريبة في النوايا السوفيتية. فهل وضْع الاتحاد السوفيتي في عدن، هجومي أم دفاعي؟ بمعنى آخر، هل يُعد الاتحاد السوفيتي جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، نقطة انطلاق للقيام بالثورة، في دول شبه الجزيرة العربية، ودول الخليج؟ أم هل يراها الاتحاد السوفيتي، قاعدة إستراتيجية لمواجهة القوات البحرية للولايات المتحدة وأوروبا، في المحيط الهندي؟

إن الاحتمال الأول، هو الأكثر أهمية، لدول المنطقة. فالدلائل على السياسة التوسعية الشيوعية، جاءت في صورة ضغوط منتظمة، مارسها نظام عدن، على الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، وسلطنة عُمان، في الشرق.

ولم تستطع سلطنة عُمان ،القضاء على التمرد، الذي أستمر 12 عاماً، في إقليم ظُفار، الذي كانت تُموّله جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، وتمده بالمؤن والعتاد، إلاّ بصعوبة شديدة، وبمساعدة الأصدقاء. ولا يزال الهدف المعلن لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، حتى هذا اليوم، هو الإطاحة  بالسلطان قابوس، وتحويل السلطنة إلى جمهورية شعبية. فلو نجحت جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، ومن ورائها الاتحاد السوفيتي، في القضاء على النظام العُماني، وتغيير هوية سلطنة عُمان السياسية، لسقط الساحل الجنوبي لشبة الجزيرة العربية، تحت السيطرة الشيوعية. وهذا، بالطبع، سيشمل شبة جزيرة موسندم، التي تطل على مضيق هرمز، الاستراتيجي، الذي لابد أن تمر خلاله ناقلات النفط، القادمة من الخليج.

وهكذا، تعرضت الجمهورية العربية اليمنية، لحملة من الضغوط، والإغارات والمضايقات الحدودية، من جانب جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، وصلت أوجها، في عملية عسكرية كبيرة، في فبراير و مارس، من عام 1979. ولكن استطاعت جمهورية اليمن العربية، بمساعدة عاجلة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، طرد الغزاة.

إن العقبة الرئيسية، في طريق توسع النفوذ الروسي، في المنطقة، هي المملكة العربية السعودية. ويجب أن نتذكر أن الاتحاد السوفيتي موجود، حالياً، في جمهورية اليمن العربية، نفسها، كما كان منذ عام 1955، لا سيما بعد الإطاحة بحكم الإمام. ولو رقى مستوى النفوذ السوفيتي، في الجمهورية العربية اليمنية، إلى المستوى، الذي يتمتع به في الجمهورية اليمنية الديموقراطية الشعبية، لامتدت ضغوطه الأيدلوجية، والسياسية، والعسكرية، إلى خارج حدود اليمن، بمسافات بعيدة.

إن السياسة السعودية، تجاه اليمن، تكمن أولاَ، في دعم المقاومة اليمنية في مواجهة القهر الشيوعي، ببرنامج سخي، من المعونات المادية، يمس كافة أوجه الحياة، في تلك البلد. وفي الوقت نفسه، تعتقد المملكة العربية السعودية، أنه لا ينبغي ترك جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، تقع بكاملها، في براثن نفوذ الكتلة الشرقية، ولهذه الغاية، حاولت المملكة العربية السعودية، مراراً وتكراراً، تحسين علاقاتها مع اليمن الديموقراطية الشعبية، وإعادتها إلى حضيرة مجتمع الدول العربية.

ومجمل القول، أن الوجود السوفيتي في الجنوب العربي، يمثل تهديدا كامناً، لكل من المملكة العربية السعودية والمصالح الأمريكية، وهو التهديد، الذي لابُدّ من احتوائه تماماً، وذلك، بتطوير القدرات الدفاعية للقوات المسلحة الإقليمية، ومراقبة نمو الكتلة الشرقية، عن كثبٍ، للتعرف على الأهداف السوفيتية بعيدة المدى.

الانتهازية السوفيتية في القرن الأفريقي

أمام المضيق الضيق لباب المندب، يقع القرن الأفريقي، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو المكان الذي حلّ فيه الاتحاد السوفيتي محل أمريكا، حامياً لدولة من أهم الدول الأفريقية، وهي إثيوبيا.

إن الوجود السوفيتي، في جمهورية اليمن الشعبية الديموقراطية وإثيوبيا، يعطي موسكو قاعدة، يمكن، لها، أن تبسط نفوذها، من خلالها، لا على شبة الجزيرة العربية والبحر الأحمر فحسب، بل على السودان، وشرق، ووسط أفريقيا. ويمثل هذان الموقعان، على جانبي باب المندب، أهم المكاسب الروسية، على حدود حقول نفط الشرق الأوسط، إذ إنهما ينُمّان عن النية السوفيتية، في استغلال دول العالم الثالث، غير المستقرة، لمصالحها، مهما كانت الأخطار، التي يتعرض لها، السلام المحلي أو العالمي.

وكما صرح الوزير، هارولد براون، في استعراض موسع للسياسة الدفاعية الأمريكية، في 25 يناير 1979: "إن عدم الاستقرار، كان سمة من سمات، الدول الأفريقية قبل الاستعمار، وقد تفاقم هذا الأمر، بصورة خطيرة، بتورط السوفيت والكوبيين، عسكرياً، في سلسة من الصراعات المحلية؛ أهمها، في أنجولا، وإثيوبيا. ويوجد، في أفريقيا، حالياً، أكثر من 3000 فني واستشاري عسكري، سوفيتي، وتُعد القوات الكوبية، حوالي 37000 فردٍ، وعدد أقل من ذلك، من الألمان الشرقيين، هي الأدوات الرئيسية لهذا التدخل واسع النطاق.(2)

تغير التحالفات في القرن الأفريقي

يرجع تاريخ أهم مبادرة سوفيتية في إثيوبيا، إلى عشرين عامٍ مضت، أي في 1959، حين منحت موسكو الإمبراطور هيلاسلاسى Haile Selassie قرضاً، قيمته 102 مليون دولار. كان الدافع من هذا القرض، هو منع، أو على الأقل، تأخير، اعتراف إثيوبيا بالصين الحمراء. ومن ثم، ظلت الصين بعيدة عن المنطقة لمدة 12 عاماً، أخرى.

وفي عام 1963، حوَّلت موسكو اهتمامها إلى الصّومال، حيث قدمت عرضاً، قيمته 30 مليون دولار، كمساعدة عسكرية، متفوقة بذلك، على منحة غربية، قدرها 18 مليون دولار. وللاستفادة من هذا النجاح المبكر، أغدق الاتحاد السوفيتي، على الصومال المزيد من الأسلحة والمعونات. وتبع معاهدة الصداقة، التي أُبرمت، بين الدولتين، عام 1974، مساعدة الصومال، في بناء السدود، وإمدادها بشحنات نفطية، وتزويدها بمراكب للصيد، وتوفير التدريب العسكري لمئات الصوماليين. وفي المقابل، وفرت الصومال، للأسطول البحري السوفيتي، مناطق تمركز في كيشايو Kishayu، جنوباً، وبربرة، شمالاً، حيث شُيد مرفق للتعامل مع الاتصالات والصواريخ، من أجل غواصاتهم، في المحيط الهندي.

دامت هذه العلاقة الحميمة، بين موسكو ومقديشيو، حتى نوفمبر عام 1977، إلى أن تصاعدت تحذيرات الدول العربية والقوى الغربية، في الوقت الذي كانت فيه، الأحداث في إثيوبيا، تدعو إلى ضعف العلاقة السوفيتية ـ الصومالية. فقد أُطيح بالإمبراطور "هيلاسلاسي"، في عام 1974، وتولت السلطة في البلاد، مجموعة يسارية، يقودها العقيد منجستو هيلا مريام Mengostu Haile Mariam.

تباطأت الولايات المتحدة، في إمداد الحكومة الجديدة بالأسلحة، ومن ثمّ، اتجهت إثيوبيا إلى الاتحاد السوفيتي، الذي رحب بهذا الحليف الجديد. وفي فبراير عام 1977، ذهب العقيد منجستو، إلى موسكو، حيث وقع معها معاهدة للصداقة. وسرعان ما تبع ذلك، تدفق الأسلحة المتطورة على إثيوبيا.

من الواضح أن الاتحاد السوفيتي كان يأمل في ضم، كلٍ من الصومال وإثيوبيا إلى فلكه، ولكن قضت المحاولات الصومالية لاستعادة إقليم " أوجادين" من إثيوبيا، على هذا المخطط السوفيتي. ففي نوفمبر عام 1977، طردت الصومال الخبراء السوفيت، وتخلّت عن معاهدة الصداقة بينهما.

وبدورها، ‎ألقت موسكو بثقلها، خلف إثيوبيا، حيث نقلت إليها، جواً، في شتاء عام1977–1978، قوات كوبية قوية، ومعدات ثقيلة، مما حول التيار ضد الصومال، وخسرت الصومال الحرب، وورثت عبئاً، قدره 350 ألف لاجئ من أوجادين. ولكن مازالت حرب العصابات ضد إثيوبيا، وحماتها من السوفييت والكوبيين، مستمرة.

مشكلة إريتريا المعلقة

تورط الاتحاد السوفيتي من جراء تدخله في إثيوبيا، في نزاع إقليمي آخر، لتلك الدولة، وهو الحرب الطويلة، التي شنتها أديس أبابا ضد قوات التحرير المسلمة، التي تتحدث العربية، في إريتريا، على ساحل البحر الأحمر. ولا يتسع المجال هنا، لتفصيل السياسات المعقدة لحركة التحرير الإريترية، التي تنقسم إلى فصائلٍ متعددة، لكل منها أيديولوجيته الخاصة، يُدعمها العديد من الدول الإسلامية، وغيرها من الدول الأخرى.

وفي صراعهم  الطويل، من أجل تقرير المصير، ضد هيلاسلاسى، ثم ضد منجستو، كان القوميون الإريتريون، يتلقون المساعدات من الصين، ومن العديد من الدول العربية. وفي السنوات الأخيرة، حينما كان الاتحاد السوفيتي، يسعى للسيطرة على ساحل البحر الأحمر، كانت المملكة العربية السعودية والسودان، من بين الدول الرئيسية، المساندة، للمقاتلين من أجل الحرية، في إريتريا. وما زال بين الإريتريين وبين الاستقلال، بوناً كبيراً، ولكن، لا يزال رجال العصابات، الذين لا يتجاوز عددهم عدة آلاف، يُعرِّضون الجيش الإثيوبي القوي، وخبرائه السوفييت، للحرج.

وفي إريتريا، كما في "أوجادين"، كان على الاتحاد السوفيتي، أن يدفع ثمن التدخل المباشر، في إثيوبيا، حين وجد نفسه طرفاً، في حربين من حروب العصابات. وقد دلت هذه الأحداث، على وجود تغيير مشؤوم في سياسة موسكو، التي تجنبت استخدام قواتها المسلحة، خارج حدود أوروبا الشرقية، حتى منتصف السبعينيات.(3)

إثيوبيا "كوبا الأفريقية"

في غضون سنوات معدودة، من 1975 حتى 1977،  تحولت إثيوبيا، أوفى حليف للولايات المتحدة، في القارة السمراء، إلى أكثر أصدقاء الاتحاد السوفيتي وكوبا، ثقةً في أفريقيا. وهناك دلائل على أن العقيد منجستو، أقرب عاطفياً، إلى "هافانا" من "موسكو"، فهو يرى نفسه "فيدل كاسترو Fidel Castro " القارة الأفريقية. وقد تورط تورطاً كبيراً، بمساعدة كوبا، في تدريب رجال حرب العصابات، من الوطنيين السود، في زيمبابوي وناميبيا، وكذلك، في تشجيع قضية عصابات البوليساريو، في الصحراء الغربية. وبفضل الأسلحة والتدريب السوفيتيين، أصبح جيشه، الذي قوامه 250 ألف، من الأفراد المتمرسين على القتال، أفضل جيوش القارة السمراء، تأهيلاً، لمساعدة الحركات الثورية.(4)

وتبدو، قوة إثيوبيا، على الأقل في هذه اللحظة، في دائرة النفوذ السوفيتي، فقد جنت من وراء معاهدة الصداقة والتعاون مع موسكو، معدات حربية، تتجاوز قيمتها البليون دولار. وقد سُمح لجميع الضباط الإثيوبيين، والطلاب المدنيين، السفر والدراسة، في معاهد التدريب بدول الكتلة الشرقية.

ويعتقد بعض المراقبين أن الهدف من الخطة السوفيتية، طويلة المدى، هو تشجيع جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، وإثيوبيا، والصومال، (حيث يحاول السوفييت استعادة أراضيهم المفقودة)، وتكوين " اتحاد بحر أحمر"، لدعم الوجود السوفيتي، في منطقة القرن الأفريقي. ويمثل مثل هذا التجمع، تهديداً مباشراً، لكينيا، والسودان، والمملكة العربية السعودية. وبالفعل، وقّعت إثيوبيا وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، بتشجيع من الاتحاد السوفيتي، "معاهدة صداقه"، في 3 ديسمبر 1979، مدتها 15 عاماً، تنص على التعاون العسكري بين الدولتين.

ولكن هناك عوامل أخرى كثيرة، منها المحلي، والخارجي، تعمل على كبح جماح القوة السوفيتية، منها:

أولاً، ربما لا تكون إثيوبيا، هي الأداة الطيعة، لتنفيذ مخططات موسكو، ولكنّ العقيد "منجستو" يستغل هذا التحالف مع السوفييت، لاستعادة السيطرة المركزية، على الدولة، المتخلفة، المتفرقة، التي ورثها عن "هيلاسلاسي".

ثانياً، استخدام كثير من الدول العربية والأفريقية ودول أوربا الغربية، نفوذهم في إثيوبيا، والصومال وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، للحد من التوسع السوفيتي.

فهل فعلت الولايات المتحدة، ما ينبغي، للدفاع عن مصالحها الأمينة، في هذه المنطقة الحيوية؟ وينبغي ألاّ ننسى أنّ منطقة القرن الأفريقي، هي الباب الخلفي، ليس فقط لمنطقة الخليج، بل لوادي النيل كذلك.  فلابد من اتخاذ خطوات عاجلة، لدعم الصومال، وكينيا، والسودان، للتغلب على مشاكلهم الاقتصادية، شديدة الصعوبة، ومقاومة الدمار القادم من إثيوبيا وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، ومن يقف وراءهما، من السوفييت والكوبيين.

الاستيلاء على السلطة في أفغانستان

على الحدود الشمالية من منطقة الشرق الأوسط، حقق الاتحاد السوفيتي، مؤخراً، مكسباً، ذا أهمية إستراتيجية كبرى، عندما غزا أفغانستان. وقد أحدثت هذه الخطوة، تغييراً جذرياً، في ميزان القوة، في هذا الجزء، الذي نعيش فيه، من العالم.

والحقيقة المُرة، الأكثر وضوحاً، من أي وقت مضى، هي أن الاتحاد السوفيتي، يسعى لإثبات، أنه القوة الإقليمية المسيطرة، بكافة الوسائل، والإرادة السياسية، لفرض نظامه وتعزيز مصالحه الاستراتيجية، في دولٍ، خارج حدوده الجغرافية.

إن القضية الأفغانية، تمثل تحدياً خطيراً للولايات المتحدة، فمن دون القدرة على التدخل العسكري، بمستوى الاتحاد السوفيتي نفسه، ومن دون مبدأ إستراتيجي متماسك، تبدو  الولايات المتحدة مهددة تهديداً شديداً. ومن الواضح، أن الإدارة الأمريكية تستجمع مواردها، وأفكارها، وأصدقاءها، للرد على ما يُوصف، بأنه موقف صعب جداً، له تداعياته العميقة، على أمن كافة الدول المستقلة، في المنطقة.

ومن المفيد، النظر في الخلفية التاريخية المباشرة، للغزو السوفيتي. لقد أُعدَّ للاستيلاء الروسي على دولة مسلمة محايدة، بعدد من الخطوات الهدامة، أبرزها انقلاب 27 أبريل عام 1978، الذي أنهى حكم أسرة "محمدازى"[6]، الذي دام قرنين من الزمان، وأتي بالشيوعيين إلى سُدة الحكم، ومن ثمّ، تغير مسار التاريخ الأفغاني إلى الأبد.(5)

وعلى الرغم من أن المجموعات المسلمة، تواصل هجماتها ضد القوات الروسية وعملائها من الأفغان،   فإن فرصة إنقاذ أفغانستان من القبضة السوفيتية تبدو، الآن، ضئيلة، فالكتلة السوفيتية آخذة في التهام الدولة، ربما إلى غير رجعة.

وأثناء انقلاب 1978، جادل بعض المراقبين الغربيين، بأن أفغانستان لا تمثل أهمية إستراتيجية كبيرة. فهي، على خلاف تركيا، وإيران، لم توفر يوماً، قواعد أو مراكز مراقبة للقوات الأمريكية. ولم تكن، أفغانستان، عضواً في "الحلف الشمالي"، الذي أنشأه الوزير دولس. ولم يُعرف أن أراضيها تحتوي على أي مواد خام إستراتيجية. وبدا أن الولايات المتحدة، راضية عن دوران أفغانستان في الفلك السوفيتي. ولم يدرك الغرب أخطار الغزو السوفيتي لأفغانستان إلاّ في نهاية عام 1979، حين بدت الأخطار واضحة للجميع، وقد خطط لها السوفيت طويلاً.(6)

وقد أثار انقلاب إبريل 1978، انزعاجاً وقلقاً كبيراً، في المواقع المتميزة، في المملكة العربية السعودية والخليج. فسيطرة السوفييت على كابل، ستكون الأداة، التي يستطيعون، من خلالها، ليس فقط التأثير على مجرى الأحداث، في إيران وباكستان، بل إنهم قد خطوا خطوة جبارة، جنوباً، في اتجاه البحر العربي. وما كان واضحاً يوماً، أصبح أكثر وضوحاً اليوم. فالقوة العسكرية السوفيتية، موجودة، على كافة حدود منطقتنا.

وحتى نضع أيدينا على منطقة من المناطق، المعرضة للاضطرابات، نشير إلى خمسة ملايين من القبائل البلوخية، في باكستان وإيران، التي تخترقها الطموحات الانفصالية اليسارية، لتقويض ميزان الاستقرار في المنطقة. وبصفة خاصة، قد يحاول البلوخ، الذين يستخدمون أفغانستان قاعدة انطلاق، فصل بلوخستان عن باكستان. ولو نجحت خطوة كهذه، فهي قد تسمح للاتحاد السوفيتي بتحقيق أطماعه القديمة، في السيطرة على أفغانستان وبلوخستان، ومن ثمّ، تأمين وجوده في ميناء المياه الدافئة، جاودار Gawdar،  على البحر العربي

والبقعة الأكثر خطورة، هي إيران نفسها، إذ قدَّمت قوات الجناح اليساري، ومنها حزب توده Tudeh الشيوعي، دعمها اللامحدود، لحكم آية الله الخميني، في إيران. فالثورة الإيرانية آخذة في التحول نحو اليسار، ومن الممكن تخيُّل حدوث أزمة، في مستقبل ليس بالبعيد، ويستدعي النظام اليساري، في طهران القوات السوفيتية للمساعدة.

ويمكن لميناء "شاة بهر"، الذي يقع على الجانب المقابل لمسقط، من المحيط الهندي، والذي خطط الشاه لتطويره، كقاعدة بحرية مهمة، أن يوفر التسهيلات اللازمة للبحرية السوفيتية، مما يسمح لها بالسيطرة على ممرات النفط الحيوية، في خليج عمان.

و كمراقب للأحداث، فإن درس التغيير في أفغانستان، واضح. إنه يؤكد الاتجاه، الذي ظل يكتسب زخماً، على مدار العقد الماضي، وهو: أن القوى الغربية، لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا، تفقد السيطرة المادية على المنطقة، بينما يكسبها الاتحاد السوفيتي.

خمسة وعشرون عاما من الجهود السوفيتية

ربما يكون الغزو السوفيتي لأفغانستان، عام 1979، قد  فاجأ الغرب، ولكنه، كان في الواقع، نتيجة تأثير سوفيتي متزايد، دام ربع قرن، شمل اختراق عملائه لصفوف الجيش الأفغاني، من جانب الجناح الوطني المحايد، من الحزب الشيوعي الأفغاني.

و قد أخذ هذا الاختراق صورتين:

الأولى: تسليح وتدريب الجيش، والثانية: المعونات المالية والتدريب الفني للتنمية الاقتصادي. وعلى النقيض من ذلك، كانت الجهود الغربية، ضعيفة، ضئيلة، ويعوزها ترابط الأهداف.

ومن الناحية العسكرية، كان أول وجود للنفوذ السوفيتي، في الخمسينيات، عندما وافق الروس على تزويد أفغانستان بالسلاح، بعد رفض الولايات المتحدة طلبات أفغانستان، تقديم مساعدة عسكرية لها، في نزاعها على الحدود مع باكستان. بعد ذلك، قضي الضباط الأفغان الشبان، قرابة سبع سنوات في التدريب، في الاتحاد السوفيتي، وعاد العديد منهم للانضمام إلى جماعة خلق، أو جماعة برشام الماركسية المنافسة.

ومنذ عام 1973، تخصص روسيا منح دراسية سنوية لـ 3000 ضابط أفغاني، وأثناء انقلاب 1978، كان هناك نحو 2000 مستشار سوفيتي، ملحقين بالجيش الأفغاني. ومن المحتم أنهم أُخبروا بنوايا اليسار، في الاستيلاء على السلطة. (7)

ومن جهة التنمية، بلغ إجمالي المساعدات السوفيتية، 1.5 بليون دولار، على مدار الـ 25 عاما الأخيرة، وهو مبلغ يفوق أي مساعدة، قدمتها أي دولة أخرى. وقد أُرسل الآلاف من الأفغان، من أصحاب الأعمال العامة ومهندسي التعدين والأخصائيين الزراعيين، وغيرهم، للدراسة في الاتحاد السوفيتي، وعند انقلاب 1978، كان هناك  2000 ـ 3000 خبير مدني سوفيتي، في أفغانستان، يعملون في مشروعات مهمة ضمن الخطة السباعية. وقد استغل الاتحاد السوفيتي مصادر الغاز الطبيعي الأفغاني، ليستأثر بجل الإنتاج.

وخلاصة القول، إن أفغانستان، منذ زمن حكومة تاراكسي، قد قبلت النموذج السوفيتي للتنمية، الذي يقوم على التخطيط السوفيتي وأسلوب التصنيع السوفيتي، ومن ثم أصبحت أول دولة من دول جنوب غرب آسيا، وأشدها تخلفاً، تبدأ "تحولا اشتراكياً".(8)

تدعيم الشيوعية

ترسخت هذه الاتجاهات على مدار العامين الماضيين. وفي الشهور التي سبقت الغزو، أخذ عدد الخبراء السوفيت، المدنيين والعسكريين، يزداد بشكل مضطرد. وفي أكتوبر 1978، تبنت أفغانستان علما ثورياً أحمر، على غرار أعلام الجمهوريات السوفيتية، التي تلاشى منها، تماما،ً علم الإسلام الأخضر. وسرعان ما تبع ذلك، معاهدة تعاون مع الاتحاد السوفيتي، مدتها عشرون عاما. وهي معاهدة تربط بين جارين غير متكافئين، اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً.(9) وفي تلك الأثناء، بدأ زعماء أفغانستان الشيوعيون، حملة تغييرات ضخمة، في نُظُم حيازة الأراضي، والتعليم ، والعلاقات الاجتماعية.

تصادمت إجراءات الفكر الماركسي هذه، مع التقاليد الإسلامية للسكان، وأدت إلى انتفاضات واسعة، في العديد من المناطق، واغتيال العديد من الروس، كان أشهرها، في حيرات، في ربيع 1979، عندما قُتل حوالي 100 خبير سوفيتي، عُذب بعضهم على الملأ.  ازدادت أعمال التمرد العفوية، وبحلول صيف عام 1979، كان هناك حالة من عدم الأمن، حتى في المدن الكبرى. ولكن حكام أفغانستان الماركسيين، بدعم عسكري هائل، من الاتحاد السوفيتي، سحقوا المعارضة، سحقاً لا هوادة فيه، مما نتج عنه، طرد ما يزيد على 000 400 لاجئ، عبروا الحدود إلى باكستان، وتدمير مناطق الثوار.

وعلى الرغم من ذلك، استمرت الاضطرابات السياسية، وكان أولها، كفاح مرير بين جماعتي خلق وبرشام الماركسية، تفوقت فيه جماعة خلق، ثم صراع نور محمد تراكي وشريكه، في مؤامرة الانقلاب، عام 1978، حفيظ الله أمين، وهو الصراع، الذي قُتل فيه تاراكي، في منتصف سبتمبر 1979، وخرج منه أمين قوياً.

بدأ "أمين" عهداً من الإرهاب، باعتقال وذبح الآلاف. ولكن، على الرغم من الدعم السوفيتي الهائل، فشل أمين في قمع الثورات المنتشرة في الريف. وقد كانت هناك ظروف، أدت إلى تحرك الجيش الأحمر، بقوة هائلة، في أفغانستان، في مطلع ذلك العام، وقَتْل أمين، وتنصيب دُمية سوفيتية أخرى، هو بابراك كارمال.

قد يجادل البعض بان الخطوة السوفيتية، كانت دفاعية في جوهرها: أي انهم لم يحتملوا ما يمكن أن يكون إطاحة بحليفٍ شيوعي، على حدودهم، وأنهم قلقون، من تأثير الصحوة الإسلامية الجارية، في الخمسين مليون مسلم، الذين يعيشون في ظل الحكم الشيوعي، في الاتحاد السوفيتي. بالطبع، كان هناك عنصر دفاعي في التفكير السوفيتي، ولكنّ النتيجة الكلية لهذه الخطوة لابد أن تعد، بصفة عامة، من أعمال العدوان.

وكما فعل الاتحاد السوفيتي، أثناء ضعف الولايات المتحدة الأمريكية، على المستوى الإقليمي، عندما حاولت واشنطن، من دون جدوى، إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، في طهران، يجب النظر إلى الخطوة السوفيتية على أنها استعراض للقوة، له مضاعفاته الإقليمية الخطيرة.

وكما حدث في إثيوبيا، يواجه الروس، في أفغانستان، حرب عصابات، طويلة، منخفضة المستوى. ولكن يبدو واضحاً، أنه لا يمكن للمعارضة الإسلامية في أفغانستان الصمود، بمفردها، أمام جبروت الدولة السوفيتية، من دون مساعدات قوية من الخارج.

كان رد فعل إدارة كارتر عنيفاً، إزاء هذه الأزمة، حيث قلّصت شحنات الحبوب المتجهة لروسيا، وكذلك، نقل التقنيات المتقدمة، كما هددت، أمريكا، بتجريد روسيا من هيبتها، والدعاية، التي كانت تأمل في تحقيقها، في دورة الألعاب الأولمبية، في موسكو عام 1980. وسارعت الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون العسكري مع الصين، وغيَّرت موقفها، تجاه باكستان، فوراً، متخذة خطوات، لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية.

ولكنّ باكستان أبدت بعض الشكوك، تجاه  مصداقية، التعهدات الأمريكية، بالدفاع عنها. وكانت باكستان تتمنى ذلك الدعم، من قبل، أثناء قتالها مع الهند، خصمها اللدود في المنطقة، عندما طلبت معونة أمريكية، ولكن ذهب طلبها أدراج الرياح.

والآن، وجدت باكستان نفسها، رغماً عنها، في مواجهة روسيا، بالقرب من حدودها مع أفغانستان، وتجد نفسها مرة أخرى، الصديق العزيز، الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الصداقة غير المتكافئة، تصيب الدولة الأصغر والأضعف، بالقلق، وتُعد من أسباب رفض الرئيس،  ضياء الحق،  الشديد معونة عسكرية، قيمتها 400 مليون دولار، متعللاً، بأنها قليلة جداً.( 10) إن القوة العظمى، يجب أن تأخذ في اعتبارها، المخاوف القومية، للدول الإقليمية، لا أن تسعى فقط إلى إقحامها، في مواجهة، ضد القوة العظمى الأخرى، عند نشوب أزمة من الأزمات.

والموقف الباكستاني، يشير إلى الطريقة، التي يفكر بها كثير من العرب، فالعالم العربي، كذلك، يتصارع، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مع "قضيته القومية"، وهي محاولة لتحقيق تسوية عادلة، شريفة، للقضية الفلسطينية، في وجه التوسع الإسرائيلي. ونظراً لتركيز الرئيس الأمريكي كارتر، على حقوق الإنسان والقانون الدولي، فلابد، من الإشارة إلى أن الدعم الأمريكي، اللامحدود، لإسرائيل، يتعارض مع هذه السياسيات.

إن حق تقرير المصير، يجب الدفاع عنه، لمصلحة جميع الدول، وكافة الشعوب، بما فيها الفلسطينيين. لقد سيطر الصراع الطويل المرير، مع إسرائيل، على التجربة العربية برمتها، التي استمرت طيلة الأربعين عاما الماضية. لقد قضى هذا الصراع على أشياء كثيرة، مهمة للعرب، مثل احتلال أراضينا، والقدس الشريف. إن اجتثاث الشعب الفلسطيني، وتشريده، بلا دولة ينتمي إليها، قد عرَّض المنطقة، بأكملها، إلى عدم الاستقرار.

ينبغي على الغرب المساعدة، في إيجاد حلٍ جذريٍ، للمشكلة الفلسطينية، لأنه من دون حل للمشكلة، سيتعرض كل شيء للخطر. وللوصول إلى حلٍ، يجب على إسرائيل الانسحاب إلى حدود 1967، والسماح للفلسطينيين، بحق السيادة، والحق الإنساني في تقرير مصيرهم. وحتى يحدث تقدم حقيقي في هذه القضية، ليس من على السهل للدول العربية، أن تعلن  تأييدها صراحة للولايات المتحدة، في صراعها مع الاتحاد السوفيتي، على المنطقة، أو تقديم تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية. وهذه هي العقبة، الكبرى، التي تعاني منها السياسية الأمريكية.

وينبغي أن يكون القضاء على هذه العقبة، على قمة أولويات صانعي السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي يجاهدون فيه، للرد على ما وصفه الرئيس كارتر، بأنه "أخطر تهديد للسلام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية".

 


 



[1] تمر سفينة، خلال مضيق هرمز، كل 19 دقيقة.

[2] يلاحظ استخدام مصطلحي "الخليج" و"الخليج العربي" بالتبادل، في هذا البحث، فالعرب يفضلون تسميته "الخليج العربي" بدلاً من "الخليج الفارسي". وآمل أن يأتي اليوم الذي يُسمى فيه "الخليج الإسلامي"، لإرضاء الشعوب الواقعة على شاطئيه.

[3] تحاول الولايات المتحدة، خلال المحادثات الجارية، الحصول على قواعد عسكرية في الصومال وكينيا وعمان.

[4] مصطلحان، يستخدما للإشارة إلى الأراضي العربية في آسيا، من جهة، و شمال أفريقيا من جهة أخرى.

[5] تسمى حالياً، الجمهورية العربية اليمنية، الجار الشمالي، لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية.

[6] على الرغم من إعلان الجمهورية في أفغانستان، في يوليو عام 1973، حين استولى داود خان رئيس الوزراء الأسبق على السلطة، في انقلاب سلمي، أراد وضع أفغانستان في الثوب الجمهوري، كابن عم لظهر خان، ولكن جاءت النهاية الحقيقية لهذه الأسرة،  مع الانقلاب الشيوعي عام 1978.