إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / خالد بن سلطان / دراسات وأبحاث، أعدها صاحب السمو الملكي، الفريق الأول الركن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز









الفصل الخامس

الصراع على المناطق المهمة

 

استطاع الاتحاد السوفيتي، كما أشرنا في الفصل الرابع، أن يحقق قدراً من النفوذ، ويحصل على كثير من التسهيلات، في عدد من الدول، الواقعة على المحيط الخارجي، لمنطقة الشرق الأوسط، مباشرة. وفي هذا الفصل، سندرس التنافس الجاري، بين القوتين العظميين، على أهم المناطق في الشرق الأوسط، أي، في مصر، وليبيا، وسورية، والعراق.

وأول ما يمكن أن يقال، هو أن تلك الدول، مهما كانت علاقاتها مع أيٍّ من الدولتين العظميين، فلا يمكن وصفها بالعمالة. فقد شهد الربع قرن الأخير، تحركاً جاداً، نحو تحقيق استقلالٍ، سياسي واقتصادي حقيقي. ويبدو أن أياً من تلك الدول العربية الكبرى، عندما تحدد علاقتها مع إحدى الدول العظمى، كانت تفعل ذلك، في ضوء إدراكها لمصالحها القومية.

وعند دراسة كافة المعطيات، نجد أن الولايات المتحدة، حققت إنجازا،ً في تلك الدول، أفضل مما حققه الاتحاد السوفيتي، الذي  يُعد، في نظر معظم سكان هذه المناطق، هو الخطر الأكبر. وهذا يعود إلى وجود الاتحاد السوفيتي على حدود المنطقة مباشرةً، وكذلك، إلى وجود أحزاب شيوعية محلية، تمارس أنشطتها، في البلاد، وتتلقى أوامرها من موسكو، ومقت النظام الاقتصادي الاشتراكي، وأخيراً، لتعارض المادية الماركسية، مع المعتقدات الإسلامية الراسخة، لدى معظم العرب.

ولكن، لا ريب، في أن المعونات السوفيتية، والتجارة، والأسلحة، على مدار العقدين الماضيين، قد حققت وجوداً لموسكو، في المنطقة.

مصـــر

منذ أن استولى الضباط الأحرار على السلطة، عام 1952، كانت مصر، هي ميدان المنافسة الرئيسي، في منطقة الشرق الأوسط، بين القوتين العظميين. رضيت الولايات المتحدة عن ظهور الضباط الشبان، وشجعت جهودهم، لتخليص مصر من آخر آثار الاحتلال البريطاني (كان أبرزها الجيش البريطاني في قناة السويس). وقد ساءت علاقاتها مع الرئيس عبد الناصر، الذي اتجه إلى روسيا، طلباً للسلاح، عام 1955.

وقد أعطى تزويد العرب بالسلاح، الاتحاد السوفيتي أفضلية في السياسة العربية، لمدة ثمانية عشر عاماً، حين اندلعت حرب أكتوبر عام 1973.(1)

قد أدى ارتباط نظام عبد الناصر بالاتحاد السوفيتي، إلى تطرفه (راديكاليته)، المتزايد. وأدى ذلك إلى عداء حاد، بين مصر والدول العربية المعتدلة، كما أدى الدعم الأمريكي لإسرائيل، في النهاية، إلى حدوث فجوة خطيرة، بين مصر والولايات المتحدة الأمريكي.

أفقدت هزيمة 1967، سياسات عبد الناصر مصداقيتها على الصعيدين، الداخلي والخارجي، وأرغمت خليفته، أنور السادات، على إعادة تقييم شامل، لأوضاع مصر الداخلية والخارجية، وإعادة صياغة توجهاتها. ‎وخلال عشر سنوات عقب وفاة عبد الناصر، كان الرئيس السادات قد حول مصر من الاعتماد الكبير على موسكو إلى الاعتماد الكبير على واشنطن. ولم يحدث هذا التحول التام، بين يوم وليلة، ولكنه مر بمراحل رئيسية، أهمها:

-    طرد حوالي 20 ألف عسكري سوفيتي، من مصر، عام 1972، (وهي خطوة حاسمة، حصل السادات خلالها، على تشجيع الملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية).

-    حرب عام 1973، التي كانت محاولة متعمدة، لكسر جمود الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفتح الطريق أمام السلام.

-    قبول مصر لمقترحات د. كيسنجر، بفض الاشتباك، في الفترة من 1973 إلى 1975.

-    وفي النهاية، تبني الرئيس كارتر إستراتيجية السلام، التي تُوجت بتوقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، في مارس عام 1979.

وكانت الأسباب الخمسة الرئيسية، لإعادة توجهات مصر، التي أدخلها السادات، كما يلي:

-    إنهاك الاقتصاد والشعب المصريين، طوال ثمانية عشر عاماً، فترة حكم عبد الناصر، وثلاثين عاماً من الصراعات.

-    عدم اقتناع الجيش المصري، بفاعلية الأسلحة، التي كان يتلقاها من الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى الاحتكاكات، التي حدثت مع الخبراء السوفييت. وقد كان هناك اعتقاد عام، بأن الاتحاد السوفيتي يرفض تزويد مصر بالأسلحة الهجومية، التي تحتاجها لتحقيق النصر.

-    الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، لديها النفوذ الكافي، للضغط على إسرائيل، وتحقيق السلام، الذي يمكن أن يقبله العرب. ففي عام 1967، أكدت المملكة العربية السعودية، وتونس، والمغرب، والأردن، للرئيس عبد الناصر، أن مفتاح التأثير على إسرائيل، يقع في أيدي أمريكا، وقد تبنى الرئيس السادات هذه السياسة.

-    الرغبة المصرية في تحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية، والدول الأخرى المنتجة للنفط، في شبة الجزيرة العربية، بعدما شابها من توتر، خلفته حرب اليمن في الستينيات.

-    وأخيراً، الحاجة إلى تحرير الاقتصاد المصري، وتشجيع القطاع الخاص، الذي خُنق، في عهد عبد الناصر.(2)

ميزان الحساب الجاري

من وجهة النظر الأمريكية، تُعد الصداقة الجديدة، مع مصر، مكسباً من كافة جوانبها، لأنها سترد الاختراق السوفيتي، للمناطق العربية المهمة، الذي دام طيلة ربع قرن مضى. وكان لهذا التحسن في الميزان الإستراتيجي، آثاره الإيجابية، في الدفاع، عن المصالح الأمريكية، ليس في مصر والشرق الأوسط فحسب، بل في أفريقيا كلها، حيث أبدت مصر رغبتها في أن تكون دولة فعالة.

من الواضح، أن القوات المسلحة المصرية، بدأت إعادة تسليحها وتدريبها، بمساعدة أمريكا، للقيام بدور إقليمي جديد، ربما يكون مواجهة مع القوات العميلة لروسيا، في القارة الأفريقية، جنوب الصحراء. وتُستغل القروض العسكرية الأمريكية، البالغة 1.5 بليون دولار، في تمويل برنامج طموح، مدته ثلاث سنوات، ستكون مصر قد حصلت، عند الانتهاء منه، على 35 طائرة مقاتلة  ـ قاذفة من نوع فانتوم  F4، وعدد 800 حاملة جنود مدرعة من نوع M-113، ويشتري المصريون في الوقت الحالي، طائرات F-16، وربما F-15، وبالفعل ازدادت قدرة القوات المصرية على الحركة، بوصول طائرات النقل من نوع C-130 Hercules، (ظهرت منها 15 طائرة في العرض العسكري في السادس من أكتوبر، احتفالاً بالذكرى السادسة، لعبور قناة السويس، عام 1973)(3).

وقد رحّب الرأي العام العربي المعتدل، خارج مصر، ترحيباً شديداً، بإبعاد الرئيس السادات مصر، عن فلك الاتحاد السوفيتي، والقرب من الديموقراطيات الغربية. ولكن أثارت بعض جوانب العلاقات المصرية ـ الأمريكية، لا سيما، إستراتيجية السلام، مخاوفً كبيرة، وعرضت المصالح الأمينة الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر. ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي تمت برعاية أمريكا، محل خلاف بالفعل، بين المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية.

والسبب في معارضتنا لهذه المعاهدة، هو إغفالها لجذور ـ مصدرـ المشكلة. ولابدّ من إدراك، حقيقة، أن مصر عندما انسحبت من حلبة الصراع العربي ـ الإسرائيلي بأكمله، وعقدت اتفاقية منفصلة، بدعم من الولايات المتحدة، كانت بمثابة هجوم مباشر، على المصالح والأهداف القومية العربية. اتفاقية لا تؤثر القضايا المعرَّضة للخطر،  في إسرائيل ومصر فقط، بل في المصالح والمقدرات القومية لكافة الدول العربية. ولا يمكننا الموافقة على قضايا تم الفصل فيها، في مناقشات مغلقة، بين مصر وإسرائيل. ولا يمكن لنا أو للدول العربية الأخرى، المعنية، الانضمام إلى هذه العملية، حتى توافق إسرائيل، على التفاوض، بشأن  الانسحاب من كافة الأراضي العربية، التي احتلتها في 1967، والسماح للفلسطينيين بحقهم في تقرير المصير.

إن الولايات المتحدة، بتشجيعها لمصر "أن تمضي وحدها"، قد تحملت مسؤوليات خطيرة؛ أولها تتعلق بالاقتصاد المصري، الذي حُرم من الأموال العربية، وثانيها تتعلق بتمديد عملية التصعيد بين إسرائيل وجيرانها.

إن المكاسب الأمريكية في مصر، لا يمكن ضمان استمرارها، ولابد من افتراض أن الاتحاد السوفيتي، يرى في تزايد نفوذ الولايات المتحدة، في حوض النيل،  تهديداً كبيراً لمصالحه الأمنية، في المنطقة. ولن يأل جهداً، في زحزحة الولايات المتحدة، خاصة في منع نجاح سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر. وهذا ليس تهديداً هيناً، لأن استمرار التحالف المصري، الحالي، مع الغرب، يعتمد على أداء الاقتصاد المصري، على المدى المتوسط. فإن لم يجن الشعب المصري المكاسب، التي دُفعوا لتوقعها، من عملية السلام، فقد تنشأ مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، التي لا يعلم مداها إلا الله.

وبما أن الولايات المتحدة تجاهلت وجهة النظر السعودية،  فيما يخص مصر، فيجب الإشارة إلى أن ذلك قد أضعفت موقف العرب، بدرجة خطيرة، في صراعهم القومي مع إسرائيل. علاوة على أنها، أضعفت الموقف السعودي وموقف القيادة العربية، داخل المعسكر العربي، وكبلته بالقيود. لقد تسببت الولايات المتحدة، بإبعاد مصر عن البلاد العربية الأخرى، في حدوث انقسامات في العالم العربي. ومعلوم أن وحدة المسلمين، بالنسبة المملكة العربية السعودية، تأتي في مقدمة أولوياتها. ولا توجد أي علاقات أخرى، يمكن أن يكون لها نفس الاعتبار. ومن ثمّ بات من الواضح، أن من مصلحة الولايات المتحدة، عودة تلك الوحدة والمحافظة عليها، عن طريق حل المشكلة الفلسطينية، بما فيها القدس، وإلا فإنّ وضع الولايات المتحدة، في الشرق الأوسط، سيزداد ضعفاً.

ليبيــا

ربما تعوِّض المكاسب، التق حققها السوفيت في ليبيا، ما فقده (الاتحاد السوفيتي)، في مصر إبان فترة حكم السادات. إن هناك توازٍ مدهش، بين بناء العلاقة السوفيتية ـ الليبية (خطوة خطوة)، وبين تطور العلاقات المصرية ـ الأمريكية.

كانت مراحل التعاون الليبي مع الاتحاد السوفيتي، كما يلي:

  1.   في مارس 1972،  توقيع اتفاقية للتعاون الفني.

  2.   في مايو 1974،  زيارة رئيس الوزراء الليبي "جلود" موسكو، لمناقشة التعاون التجاري، والسلاح، والمواد التموينية، والتنسيق السياسي، بين الدولتين.

  3.   في مايو 1975، زار رئيس الوزراء السوفيتي "أليكس كوسيجين Alexie Kosygin" طرابلس، ووعد العقيد القذافي بتزويده بأسلحة متطورة، تشمل دبابات ومدفعية وصواريخ أرض – جو "سام".

  4.   في يوليو 1977، زادت حرب الحدود المصرية ـ الليبية، القصيرة، اعتماد ليبيا على الاتحاد السوفيتي. وقد تعهد الاتحاد السوفيتي بتعزيز الدفاعات الليبية، في الصحراء الغربية، وزيادة واردات الأسلحة، وتزويد ليبيا بالمعلومات الاستخبارية، فيما يخص نوايا مصر، في المستقبل، وبتقديم النصح للقذافي، في قضايا الأمن الداخلي لليبيا.

  5.   في صيف عام 1979، كانت هناك تكهنات شديدة، بان توجه مصر ضربة شاملة ضد ليبيا، بعد تدخلها في أوغندا وتشاد. لم يتحقق هذا، ولكن الرئيس السادات، أتهم ليبيا بمنح القوات البحرية والجوية، السوفيتية، مرافق على أراضيها، وهي التهمة التي أنكرتها ليبيا.

ولا شك في أن الاتحاد السوفيتي، جنى من وراء هذه العلاقة، ما يمكن حصره في الآتي:

  1.   عدة بلايين من العملة الصعبة، من مبيعات الأسلحة.

  2.   تتجاوز هذه الأسلحة، حتى الآن، القوة البشرية الليبية، وهذا يثير التكهن بأن هذه الأسلحة وُضعت في ليبيا، ليستخدمها الاتحاد السوفيتي، أو عملائه، في أي مكان آخر، في القارة الأفريقية.

  3.   أصبح للاتحاد السوفيتي وجود استراتيجي مهم، في وسط منطقة البحر المتوسط.

هددت هذه التطورات المصالح الأمنية الأمريكية. وعلى الرغم من استمرار العلاقة التجارية، بين طرابلس وواشنطن، إلا أن العلاقات السياسية بينهما، شهدت تدهوراً شديداً. ففي ديسمبر عام 1979، "علقت" واشنطن أنشطة بعثاتها في طرابلس، عقب الهجوم على سفارتها. وعلى الرغم من أن القذافي لا يزال مصدر تهديد قوي، للمصالح الإقليمية الأمريكية، في الشرق الأوسط، ومنطقة البحر المتوسط، وأفريقيا، إلا أن واشنطن تشعر بالارتياح لفقده مصداقيته، وزيادة عزلته، في الدوائر العربية.

العراق

منذ النكسة التي مُني بها في مصر، وجّه الاتحاد السوفيتي اهتماماً شديداً إلى العراق، ففي أبريل عام 1972 وقّعت الدولتان، اتفاقية صداقة وتعاون، مدتها 15 عاماً.

وفي العقد السابق، لا سيما بعد توَّلي حزب البعث السلطة، عام 1968، توطدت العلاقات بين الحكومتين، العراقية والسوفيتية. واتخذت السياسات العراقية، موقفا معادياً، واتجاهاً راديكاليا نحو الغرب،  وفسح النظام العراقي الطريق أمام الشيوعيين العراقيين، وكانت موسكو تنظر، بعين الرضى، إلى سياسة عدم الانحياز، التي يتبناها العراق.

وظل الاتحاد السوفيتي، منذ عام 1972، يدعم قرار حكومة حزب البعث، تأميم ممتلكات النفط الغربية، كما دعم النظام العراقي في حربه ضد الأكراد. والأهم من ذلك، كان الاتحاد السوفيتي هو المصدر الرئيسي، للسلاح العراقي، منذ ثورة عام 1958، التي أطاحت بالنظام الملكي.

وقد أدت المعارضة المشتركة، لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وانفتاح السَّادات على الغرب، ومعاهده السلام العربية – الإسرائيلية، إلى اتفاق موسكو وبغداد.

وعلى الصعيد العسكري، سُمح للبحرية السوفيتية، برفع العلم بانتظام، في "أم القصر"، الميناء العراقي في أعالي الخليج. ولكن نظراً لأن ميناء "أم القصر"، يقع على مجرى مائي ضيق، وضحل، وتهب عليه ريح شديدة، وكان على الاتحاد السوفيتي، أن يطلب تصريح لكل زيارةٍ، لهذا الميناء، فقد قلل من أهمية هذا الميناء الإستراتيجية. إضافة إلى إنه، سُمح للطائرات السوفيتية، بالتزود بالوقود، في القواعد الجوية العراقية.

ومع ذلك، فقد تعرضت العلاقات السوفيتية ـ العراقية لتوترات، أبرزها:

  1.   بدأ النظام العراقي ينوّع مصادر سلاحه، فأصبح يشتري، في الوقت الحالي، من أوروبا الغربية، بجانب الاتحاد السوفيتي.

  2.   تزايد توجه بغداد إلى الغرب، للحصول على وارداتها المهمة، من التقنية والمعدات، على الرغم من متانة علاقاتها الاقتصادية، مع روسيا.

  3.   كان الرفض العراقي الدائم، لقبول قراري مجلس الأمن، 242 و338،   أساساً لتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي، سبباً من أسباب التوتر.

  4.   دعم العراق للانفصاليين الإريتريين، الذين يقاتلون النظام الإثيوبي، الذي تدعمه موسكو، في منطقة القرن الأفريقي.

  5.   غضب موسكو من تنفيذ حكومة "البعث"، حكم الإعدام في الشيوعيين، الذين اُتهموا بتنظيم خلايا حزبية في الوحدات العسكرية.

كما يمكن أن يكون للأحداث الأخيرة، في إيران، تأثير مزعج، على العلاقات العراقية – السوفيتية. ذلك أن سياسة موسكو التقليدية، تقوم على تطوير علاقات صداقة، مع العراق وإيران، دون الانحياز إلى أيٍّ من الدولتين. ولكن، قد يؤدي، ضعف الحكومة المركزية، في طهران، بعد الإطاحة بالشاه، واندلاع الثورات القومية، في كردستان وأذربيجان، وتزايد سياسات نظام الخميني، المعادية لأمريكا، واعتماد السوفييت على الغاز الطبيعي الإيراني، إضافة إلى المستقبل السياسي الجيد، لحزب "توده" الشيوعي، إلى أن تولي موسكو أولوية أكبر لإيران.

وخلال السنوات الأخيرة، أدت العلاقات التجارية الأمريكية مع العراق، إلى حدوث تحسُّن في العلاقات بينهما، ولكن ظل انعدام الثقة بين الطرفين، قائماً. ولا شك أن العراق، كان يتطلع إلى القيام بدور أكبر، في السياسة العربية، على الأخص في منطقة الخليج، لاسيما بعد زوال القيود، التي كان يفرضها شاه إيران، وخروج مصر عن الصف العربي. وتُعد مثل هذه الطموحات العراقية، تهديداً، للمصالح الأمنية الأمريكية، في منطقة الشرق الأوسط وترتبط، مثلها مثل هذه المصالح الأمريكية، بالاستقرار في المنطقة، واستمرار تدفق النفط.

وقد أعلن العراق، الذي يُعد، بالفعل، قوة عسكرية لا يستهان بها، في المنطقة، عن خططه للتوسع في تطوير البحرية العراقية. فبينما تُرحب بعض الدول العربية بهذه القوة الإضافية للعرب،  تسعى دول أخرى في شبه الجزيرة العربية، لبناء وتطوير قواتها المسلحة، لضمان استقلالها في المستقبل. وأفضل وسيلة للحفاظ على المصالح الأمنية الأمريكية، هي تحقيق التوازن، بين قوى هذه المنطقة الحيوية، بدلاً من تفوق أي دولة، على الدول الأخرى.

سورية

كانت سورية، في ظل حكم الرئيس حافظ الأسد، ترغب في الحفاظ على وضعها المستقل، نحو القوتين العظميين، ومع ذلك، فإن علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي أصبحت قوية. فروسيا هي المورد الرئيسي للسلاح، وتفضل سورية اشتراك السوفييت في مباحثات تسوية المشكلة العربية ـ الإسرائيلية. والاتحاد السوفيتي، من جانبه، يعوِّل كثيراً على سورية، كقوة موازية، لمصر، في مواجهة إسرائيل، وكقوة إقليمية، لها نفوذ يمتد إلى لبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى الرغم من علاقات الدعم الوثيقة، المتبادلة بينهما، أصرت سورية على رفض التوقيع على معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، أو منح البحرية السوفيتية، مرافق للإصلاح والتموين، في مينائي اللاذقية وطرطوس، اللاتي ظلت روسيا تطلبها، لتعويض التسهيلات، التي فقدتها في مصر.

وإضافة إلى ذلك، يتعرض الحزب الشيوعي السوري، لضغط شديد من جانب نظام الرئيس "الأسد"، على الرغم من وجود قائمه بأسمائه في الجبهة الوطنية التقدمية، وهي تجمع يضم أحزاب سياسية، يسيطر عليها حزب البعث.

إن لسورية علاقات حذرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإن واشنطن تقدر لسورية دورها في السلام، في لبنان، وقد أبدى ذلك التقدير الرئيس كارتر، أثناء مقابلته مع الرئيس الأسد، في جنيف في مايو1977.

ولكن سورية، لا تتفق كلية، مع الرئيس كارتر، في تشجيعه، للمعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية، التي تترك سورية مكشوفة، ومعرضة، أمام العدوان الإسرائيلي، ليس في لبنان فحسب، بل في أراضيها كذلك. وهذه ليست فقط وجهه نظر السوريين، وإنما، وجهة نظر الدول العربية كلها، التي ترى أن سياسات السلام الأمريكية، تقوِّض الاستقرار في المنطقة، بشق الصف العربي، وإطلاق جماح إسرائيل، في سياستها التوسعية.

وفي مثل هذه الحالة، لا يمكن أن يتوقع من سورية أن تهتم بالمصالح الأمنية الأمريكية، في المنطقة. وخلافاً معارضتها لمعاهده السلام العربية ـ الإسرائيلية، لا تمثل سورية نفسها خطراً مباشراً، على المصالح الأمنية الأمريكية. وفي الواقع، كان الرئيس الأسد، عاملاً للواقعية والاستقرار، لمدة عقد من الزمان، ولكن نظامه يتعرض، في الوقت الحاضر، لتهديدٍ من المتطرفين الإسلاميين.

ومجمل القول، إنه في الوقت، الذي أصبح فيه موقف الولايات المتحدة قوياً في مصر، وتحسن، كذلك، في العراق وسورية، أصبح الاتحاد السوفيتي يتمتع بمزايا مهمة، في هذين البلدين، إضافة إلى ليبيا. ومما لا شك فيه، أن عدم القبول الشعبي، لإستراتيجية السلام الأمريكية، تُعد أهم عقبة، في طريق تحقيق علاقات أمريكة أفضل، ومن ثمّ، تعرُّض مصالحها للخطر.

 

 

الفصل السادس

التهديدات التي تواجه الاستقرار الإقليمي

 

إن الافتراض الرئيسي، في هذا الفصل، هو أن البيئة المستقرة، تُعد أفضل السبُل لخدمة المصالح الأمنية الأمريكية. ومن الجدير بالذكر، أن الاستقرار الإقليمي، قد ذُكر في بداية هذا البحث، كواحدٍ من أهم المصالح الحيوية، للولايات المتحدة الأمريكية، وأنه شرطٌ أساسي، للدفاع عن المصالح الأمريكية الأخرى، ومن ثمّ، يجب تحديد الأخطار التي تهدد الاستقرار الإقليمي، وفهمها.

ويمكن تحديد هذه الأخطار، كما يلي:

- الصراع العربي - الإسرائيلي.

- المواجهات العربية – العربية.

- العلاقات المتوترة بين الدول العربية، والنظام الثوري الجديد في إيران.

- الأنشطة السياسية للمنحرفين والمنشقين عن الإسلام.

- الآثار الجانبية ـ التي تمزق المجتمع ـ للتمدن والعصرية.

الصراع العربي الإسرائيلي

تولّى الرئيس كارتر مقاليد الحكم، في يناير 1975، وكان هدفه المُعلن، هو تحقيق التسوية الشاملة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، الذي اُبتليت به المنطقة، منذ أكثر من ثلاثين عاما.

وفي اختياره الحل الشامل، بدا وكأنّ كارتر يخالف ما يسمى سياسة، الحل التدريجي، "خطوة خطوة"، التي اقترنت باسم وزير الخارجية "كيسنجر".(1)

ولكن الحقيقة المؤسفة، أن إنجازات الرئيس كارتر، في مجال السلام، في الشرق الأوسط، كانت بعيدة تماماً، عن تحقيق أهدافه المعلنة. وكما هو معلوم، فقد بذل جهوداً كبيرة، لتحقيق معاهدة سلام مصرية – إسرائيلية منفصلة، أجمعت بقية دول العالم العربي على إدانتها، ووصفها، بأنها تسوية جزئية، تفريقية، خائنة. فهي لم ترض إلا دولة واحدة من الدول العربية، المشاركة في الصراع، وهي مصر، وخروجها من حلبة الصراع، سيضعف وضع الأردن وسورية، اللتين لا ترضي، طموحاتهما الشرعية هذه التسوية، التي لم تكبح جماح إسرائيل، بل شجعتها على الاستمرار في استعمار الأراضي العربية.

والأهم من ذلك، أن هذه الاتفاقية، ولّدت تياراً قوياً، من الشعور المعادى لأمريكا، في كافة أرجاء المنطقة، وهذا يرجع للاعتقاد الشائع، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل، قد خططتا لتمزيق العرب وإذلالهم. إن الاستياء الشعبي، الذي ينفجر بين حين وآخر، من دون سيطرة أو تحكم، يمثل تهديداً مستمراً، للمصالح الأمنية الأمريكية، في المنطقة.

وقد وضع الرئيس كارتر ومستشاروه والمتحدثون باسمه، تفسيرات مختلفة تماماً، لنتائج دبلوماسية السلام الأمريكية، إذ يعتقدون أن هذه العملية قد بدأت بالفعل، وأنه لابد أن تؤدى في آخر الأمر، إلى تحقيق التسوية الشاملة. ولم يُقنع هذا الرأي، إلا نفر قليل بالمنطقة.  ومع ذلك، هناك بعض الزعماء العرب، الذين لديهم الاستعداد، لقبول رأي الرئيس كارتر. ويذكرون، تعهده الجاد، بأن المعاهدة المصرية – الإسرائيلية، ليست "نهاية العملية"، ولكنها البداية،  وأنها جزء لا يتجزأ من السلام الشامل.(2)

ولكن سيتعين على الرئيس كارتر التحرك بسرعة، إذا أراد تحقيق الوفاء بهذا التعهد، وعدم الوصول إلى أسوأ المخاوف، التي تنطوي عليها دبلوماسيته. وقد أشار المعلقون الصحفيون، إلى أن ضغوط حملة كارتر الانتخابية، للرئاسة القادمة، في الولايات المتحدة، سيكون لها الأولوية، على إتمام الجهود التي تنتظره، في الشرق الأوسط. ويُعد نقل روبرت ستراوسRobert Strauss، من تمثيل الولايات المتحدة، في محادثات الحكم الذاتي الفلسطيني، إلى فريق الحملة الانتخابية، للرئيس كارتر، شاهداً على ذلك.

إن المطالب العربية الحالية، التي تخص بالقضية الفلسطينية، ليست كبيرة، وهي: انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية، التي احتلتها خلال حرب 67، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية، غير الشرعية، على هذه الأرض، والسماح للفلسطينيين بالتعبير عن آرائهم السياسية، وأن تعيش إسرائيل في سلام مع جيرانها، داخل حدود آمنة، مُعترف بها.

وقد لاقت هذه الصيغة، لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، قبول الغالبية العظمى، من الرأي العام العالمي. إن مسؤولية تحقيق التسوية في المنطقة، تقع على عاتق الولايات المتحدة، بصفتها، الداعم الرئيسي لإسرائيل، وبما تملكه من قوة ونفوذ.

ولو نفذت هذه السياسة ،بقوه وعدل، فإنها ستكون أفضل سبيل للدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية في العالّمّيْن، العربي والإسلامي.

المواجهات العربية ـ العربية

على الرغم من اتفاق الدول العربية على الأصول، إلاّ إنّ صراعات المصالح، والتنافس على النفوذ، والخلافات الأيدلوجية، تفرق بينها.

ومن بين الصراعات الحالية، بين الدول العربية، الصراع الجزائري ـ المغربي، حول مصير الصحراء الغربية، والتوترات بين مصر وليبيا، والعداء (الذي يحدث بين حين وآخر)، بين جناحي حزب البعث، الحاكم في سورية والعراق، والمواجهة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، التي تمزق الدولتين، كما هو الحال الآن، فضلاً عن الخلافات العميقة بين الأنظمة السياسية والاجتماعية.

ومن بين الدول العربية التي عانت كثيراً من الصراعات الإقليمية، لبنان، حيث أخذت الحرب الأهلية بين الفصائل المحلية، بعداً أكبر، بتدخل دول أخرى، في الصراع. إن مأساة لبنان، توضح عددا من المشاكل، التي تدعو إلى التفرق والتشرذم، أبرزها:

-   عدم وجود دوله للفلسطينيين ويأسهم من ذلك

-   مخاوف الأقليات، مثل "المارونية"

-   الصراعات الفكرية، بين الجماعات والأحزاب الطائفية

-   مشكلة دمج المجموعات، التي تأثرت تأثيراً عميقاً، بأوروبا، على مدار أجيال متعددة، لتأكيد هويتها

-   الصراع بين الطبقة الوسطى الغنية، في المدن، وطبقة الفلاحين الفقراء، التي تحملت لهيب العدوان الإسرائيلي منذ سنوات عديدة.

إن تدمير لبنان، هو أحد أبعاد النزاع العربي ـ الإسرائيلي‎. ولا يمكن إعادة السلام والاستقرار، لهذا البلد، إلاَّ بحل هذا النزاع. إن المشكلة اللبنانية، بوصولها إلى هذا الحد، خرجت من سيطرة العرب، وتحتاج إلى تدخل بَنّاءٍ من إحدى القوى الخارجية. وتمتد مسؤولية الولايات المتحدة إلى لبنان، بالقدر نفسه، الذي تمتد به، إلى النزاع العربي ـ  الإسرائيلي، نفسه.

قبل الحرب الأهلية، كانت لبنان تُعد نقطه قوة، للغرب، ومعرضاً لقِيَمِه، في المنطقة. ويمكن الحكم على انهيار النظام اللبناني، بأنه ضربة شديدة، للمصالح الأمينة الغربية الأمريكية، وينبغي أن تكون عمليه إعادة إعمار لبنان، على قمة أولويات الغرب.

إن الولايات المتحدة، يمكنها أن تمارس نفوذاً أقل، في الصراعات العربية – العربية الأخرى، التي سبق ذكرها، إلا إن من مصلحتها تدعيم جهود بعض البلاد العربية، مثل المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى حل هذه الصراعات بالطرق السلمية.

العلاقات العربية – الإيرانية

أثرت الثورة الإيرانية على العالم العربي، من عدة نواحٍ، مختلفة:

   1.   ثمة خطر سعي بعض القادة الإيرانيين، إلى تصدير الثورة، إلى البلاد العربية المجاورة.

   2.   الهياج والقلاقل، التي تثيرها خطب وأنشطة زعماء الشيعة في إيران، بين المجتمعات الشيعية (3).

   3.   مشاكل الدول العربية المجاورة لإيران، مثل العراق، الذي يضم مجتمعات أقلية، الناجمة عن تنامي طموحات إقامة حكم ذاتي محلي، في كردستان وأذربيجان، نتيجة ضعف الحكومة المركزية في طهران.

   4.   إحياء الثورة الإيرانية، قضايا خاصة محدودة، قد تسبب العداء بين إيران وجيرانها العرب، منها المعاملة الإيرانية للمتحدثين بالعربية، في خوزستان (عربستان)، ومطالبة إيران بالبحرين، إضافة إلى مستقبل الجزر الثلاث الصغيرة، في الخليج، (طنب الكبرى وطنب الصغرى، وأبو موسى) اللاتي احتلها الشاه، عام 1971، وقضية أمن الخليج .

   5.   عواقب النزاع الإيراني ـ الأمريكي، الوخيمة، على الدول العربية المتاخمة للخليج. وهو الصراع الذي زادت حدته، باحتجاز الرهائن، في السفارة الأمريكية بطهران. ويزيد هذا الصراع حالات التوتر الإقليمي، ويهدد المنطقة، بصراع مسلح، يحمل معه الخطر الدائم، وهو انقطاع تدفق النفط.

وبالدرجة نفسها، كان للنزاع الإيراني ـ الأمريكي،  والطريقة التي عُولج بها، عواقب وخيمة، على مصداقية الولايات المتحدة، ومستقبلها، وتأثيرها، ووضعها، في المنطقة. ولو حُل هذا النزاع، سلميا، وبرضاء الولايات المتحدة، لسهّل مهمة البلاد العربية، التي ترغب في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ترسيخ دعائم الاستقرار في المنطقة، لمصلحة الجميع .

النزعة الثورية في إيران

يواجه العالم الإسلامي تحديا كبيراً، مما يسمى النظام الإسلامي في طهران، الذي يشوه الصورة الحقيقية للإسلام. فالإسلام على مدار تاريخه، يسعى إلى السلام، والتسامح،  والأخوة، والخضوع لشريعة الله، لا إلى التعصب، وحبس الرهائن الأبرياء، لأي سبب من الأسباب، ونشر أعمال القمع.

إن هذا السلوك غير الإسلامي، لا يمثل فقط خطراً شديداً على المصالح الغربية، في المنطقة، ولكنه يثبط جهود هؤلاء المسلمين، الذين يأملون رؤية العالم الإسلامي، وقد أخذ مكانه اللائق به، في العالم الحديث. إن هذه الممارسات، ضد جوهر تعاليم الإسلام. ولا بد من الوقوف، بكل السُبل الممكنة، ضد الاستخدام الخاطئ للإسلام، الذي يؤدي لإعاقة التقدم، وسحق التنمية، ونشر الفوضى، وأعمال العنف.

وكما هو معروف جيداً، فالإسلام أكثر من عقيدة، إنه أسلوب حياة، يشمل كافة أفعال الإنسان ـ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. إننا، في المملكة العربية السعودية، نتمنى إقامة مجتمع إسلامي، يضاهي الحضارات العظيمة، التي قامت على مدار التاريخ العربي. إننا نرى الإسلام، بمعناه البنّاء وليس بالمعنى الهدّام، الذي يدعو إليه بعض الأئمة المعاصرون. ونحن واثقون، أننا نتمسك بتقاليدنا التاريخية، كما كتب أحد العلماء الأمريكيين، في هذا الصدد، "إن التطور التاريخي للإسلام، يوضح أنه، بقوة عقيدته، واتساع نطاق اهتماماته، لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، والسياسية، أصبح قوة هائلة لتجميع العرب وتكاملهم(4).

أثر المدنية على شعوب المنطقة

من المتفق عليه، أن عائدات النفط، قد غيّرت البيئة المادية والاجتماعية للدول المنتجة له. فالثروة أدت إلى تطور سريع، ولكنها في الوقت نفسه، أحدثت شرخاً عميقاً، في نمط الحياة التقليدية. فجميع العرب يعرفون التغيرات الهائلة، التي حدثت في حياتنا، ليس فقط في البيئة المادية، التي نعيش فيها الآن، ولكن في التصرفات وطرق التفكير، ومما لا شك فيه، أننا قد نمر بفجوة عميقة بيننا وبين ماضينا.(5)

خلال الخمس سنوات، التي أعقبت طفرة أسعار النفط، في 1973 ـ 1974، بدأ كثير من الزعماء العرب يتساءل عن الحكمة من التطور الزائد، المنفلت. إن المحافظة، على الموارد النفطية، والبيئة التقليدية، يحتاج، في الوقت الحالي، إلى دعم مستمر. ومن المعترف به، أن الآثار الاجتماعية الضارة، التي تشمل النمو الاقتصادي السريع، والتضخم، والهجرة إلى المدن،  والاختناق، والتلوث، ودمار الروابط العائلية والقبلية، يمكن أن تشكل تهديداً خطيراً للاستقرار.

إن التطور في الدول العربية المنتجة للنفط، يحدث بمشاركة الغرب، وتشجيعه الفعال. لقد آن للحكومات والشركات الغربية، والدول العربية النفطية، أن تراجع ن تلاأنسرعة برامج التطور ومجالاتها، وعينها على الآثار الاجتماعية.

وليس من قبيل المبالغة، أن نقول، إن الدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية، يكمن في النمو السلمي للاقتصاديات العربية، بشكل منتظم ومتناسق.

 

 

الفصل السابع

إستراتيجية إقليمية جديدة: نطاق التعاون الأمريكي ـ السعودي

 

من المعلوم، أن ما يُسمّى بالعالم الثالث، قد أصبح من الساحات الرئيسية، لتنافس القوى العظمى، وتصل هذه المنافسة ضراوتها في حزام المنطقة الممتدة من جنوب قارة أفريقيا إلى جنوب آسيا، وهي المنطقة التي وصفها الدكتور "بريجنسكى Przesinski " مستشار الرئيس الأمريكي، كارتر، للأمن القومي، بأنها "قوس الأزمات". وعلى قمة هذا القوس، يقع الشرق الأوسط، المنطقة التي، تتمتع بأهمية خاصة، في حمى سباق القوى العظمى، بسبب مصادرها النفطية، وموقعها الإستراتيجي.

انحسار سيطرة القوى العظمى

أثبت تاريخ العالم الثالث، في السنوات الأخيرة، تزايد أعداد ومجالات الصراعات الإقليمية. ولهذا أولت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، اهتماماً شديداً بمشكلة "إدارة" المنافسة، في هذا العالم، الذي يعج بالاضطرابات.

استجاب الاتحاد السوفيتي لهذا التحدي، بحشد قوات عسكرية هائلة، وإعطاء نفسه القدرة على التدخل في صراعات العالم الثالث، على مسافة آلاف الأميال، من حدوده، بواسطة قواته البحرية والقوات المنقولة جواً.

وكما رأينا، حقق الاتحاد السوفيتي، مكاسب إستراتيجية مهمة، على الحدود الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط، أخذت شكل مرافق بحرية وجوية، وأنظمة سياسية عميلة. ومع ذلك، فإنه يستغل هذه المكاسب بحذر، واضعاً في اعتباره تجنًُب المواجهات، سواء مع الولايات المتحدة، أو مع دول المنطقة.

كانت الولايات المتحدة تسعى، كذلك، بجد، لتحديد إستراتيجية ملائمة، للتعامل مع عدم الاستقرار، في العالم الثالث. وفي عام 1979 أدلى ثلاثة من المستشارين المقربين للرئيس كارتر، وهم وزير الخارجية " فانس " والدكتور " بريجنسكى " ووزير الدفاع "براون"، بتصريحات مهمة، عن هذا الموضوع. . لقد حددوا ثلاث نقاط رئيسية، عن العالم، الذي ستواجهه الولايات المتحدة، في الثمانينيات والتسعينيات، وهي:

   1.   أنه لا يمكن تنظيم هذا العالم، على أساس السلام الأمريكي، وبدرجة أقل، على أساس السلام السوفيتي، فليس باستطاعة أيّ من القوتين العظميين، أن تتوقع فرض سيادتها، في عصرٍ، يسوده التكافؤ الإستراتيجي المستقر.

   2.   ازدياد التعددية. فقد ظهرت مراكز جديدة لصنع القرار، ويرجع ذلك إلى عاملين، هما: الصحوة السياسة العالمية غير المسبوقة في التاريخ، وإعادة توزيع القوى الاقتصادية والسياسية.

   3.   ثمة قلق من التغيير، داخل العديد من دول العالم الثالث، مما يزيد من الضغوط، على هياكلها السياسية الحالية.

كيف يجب أن تتعامل أمريكا مع التغيرات؟ إّن الإستراتيجية الجديدة، التي تخص الشرق الأوسط، تبدو كما يلي:

  1.   يجب أن تتعامل الولايات المتحدة مع دولٍ صديقة، لخلق نموذجٍ أوسع، للاستقرار والتنمية، والأمن الإقليمي، ولابدّ أن يتم هذا على أساس المساواة  والتسامح المتبادل. كما ينبغي أن تساعد أمريكا في تطوير المؤسسات، وتقوية الاقتصاد، وتعزيز الروابط، بين الحكومات والشعوب. ويُعرِّف وزير الخارجية "فانس" هذه الإستراتيجية الجديدة بأنها: "التدخل والدعم الإيجابي، من أجل استقلال وتنوع الدول النامية. إن الشراكة هي مفتاح هذا العالم".

  2.   في حالة حدوث اضطرابات سياسية داخلية، في دول منطقة الشرق الأوسط، لن تستعد الولايات المتحدة لاستخدم القوة. وفي في هذا الصدد يقول الوزير براون : "إن هذه ليست مسؤولية الولايات المتحدة، وعلى الأخص القوات المسلحة الأمريكية". ويقول وزير الخارجية فانس: "دعني أقول إن استخدام القوة المسلحة ليس رداً مرغوباً للسياسة الأمريكية، على السياسات الداخلية للدول الأخرى، ولا يجب أن يكون، كذلك. نحن نؤمن أن لنا الحق في تحديد مصيرنا، وعلينا أن نحترم هذا الحق للآخرين".

  3.   ومع ذلك، يجب أن تكون الولايات المتحدة دائما مستعدة، للرد بالقوة المناسبة، على أي عمل   عسكري مباشر للاتحاد السوفيتي، أو أي هجوم خارجي، على أي دولة صديقة، تطلب المساعدة.

ويبدو أن هذا هو الأساس النظري، للتفكير الأمريكي.

وضع أمريكي أشد حزماً

أدت أزمتا أفغانستان وإيران، اللتان وقعتا هذا العام، وإدراك أمريكا الخطر، الذي يهدد مصادر النفط، إلى ضغوط في الإدارة الأمريكية، من أجل تحقيق وضع إستراتيجي أشد حزماً، في الشرق الأوسط والمحيط الهندي. وفي إعلانٍ مهم، عن السياسة الأمريكية، في الثاني من أغسطس، أعلن دكتور "بريجينسكي" أن الشرق الأوسط "منطقة إستراتيجية حيوية" ، مثلها مثل أوروبا الغربية والشرق الأقصى.

قال، إن على الولايات المتحدة أن تمتلك القوة العسكرية اللازمة، لحماية مصالحها الحيوية في هذه المنطقة، وعليها أن تعمل على زيادة قدراتها العسكرية "والوجود العسكري القريب".  كما قال: "يجب أن نتأكد أن لدينا القدرة، والوسائل المطلوبة لحماية قوتنا، أينما دعت الحاجة، وبشكل، ومستوى الشدة المناسبين".

إن هذه التصريح يجب أن يؤخذ كإعلان، عن النية المستقبلية، لا على أنه وصف للإمكانيات الحالية، كما ينبغي ألا يُفهم، على أنه تخلي عن المبادئ الموضحة آنفاً .

ومن بين الخيارات، التي من المهم أن تضعها الإدارة الأمريكية في اعتبارها، في أعقاب الثورة الإيرانية، ما يلي:

-   مزيد من نشر طائرات نقل، للمهام الخاصة، من غرب المحيط الهادي إلى المحيط الهندي.

-   القيام بمهام جوية، من الولايات المتحدة، أو أوروبا الغربية، إلى الشرق الأوسط.

-   وضع إمدادات عسكرية، في الدول المهمة في المنطقة

-   إنشاء "قوة انتشار سريع" في الولايات المتحدة، للتعامل مع الأزمات المفاجئة، من دون الحاجة إلى إنشاء قواعد أو أسطول بحري جديد، في المنطقة (3).

وتُعد صياغة، هذه الخطط، التي لها ما يبررها، كما هي، من وجهة نظر المصالح الأمريكية، أسهل من تطبيقها عملياً، وذلك للآتي:

أولاً، لأنه قد لا يكون من السهل على أمريكا، التمييز بين الانشقاق الداخلي، والتدخل الخارجي، في دولة بعينها من دول المنطقة.

ثانياً، أن الدول العربية المعنية بهذا الأمر مباشرة، وهي دول الخليج والمملكة السعودية، تبدي تردداً متزايداً، عن الارتباط العلني بالاستعدادات العسكرية الأمريكية. إن صياغة "المذاهب الإستراتيجية" الجديدة لا قيمة لها، دون عمل مفيد.

ولا مفر من العمل على إعداد صيغة جديدة للاستقلال الإستراتيجي. فليس صحيحاًً، أننا نرفض الصداقة مع الغرب، وليس حقيقة، أننا لا نحتاج إلى دعم الغرب. كل ما في الأمر، هو إيجاد صيغ، مقبولة، لهذه الصداقة، ولهذا الدعم، صيغ تتوافق مع الكرامة والاستقلال.

إن النتائج، التي يمكن الخروج بها، من استعراضنا للخيارات الإستراتيجية الأمريكية، أن فرص نجاح نشر الوسائل الاقتصادية، والسياسية، ووسائل الدعم العسكري، أفضل من التدخل العسكري المباشر.

الشراكة الأمريكية ـ السعودية

يوجد العديد من المصالح المشتركة، المهمة، التي تجمع بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، نتيجة استقرار منطقة الشرق الأوسط، والمحافظة على خلوها من الحروب وأعمال العنف. فلا يمكن، لنا، كدول عربية، ولأصدقائنا الغربيين وحلفائنا، الذين نعتمد عليهم، أن نصل إلى قدراتنا الكاملة، ورخائنا، إلا في جو من الاستقرار.

والأمر الثاني، والمصلحة الشديدة الحيوية لكلانا، هو العمل على إبعاد السوفييت عن المنطقة. النقطة الثالثة التي تلتقي مصالحنا فيها، هي الجانب المالي. فنظراً لأن المملكة السعودية، لديها فائض متزايد من الأموال، فإن من مصلحتنا المباشرة، قوة الاقتصاد والدولار الأمريكي، بل، وقوة النظام المالي العالمي، بأكمله. فلو انهار هذا النظام، فلن تكون هناك قيمة لفائضاتنا المالية المتراكمة. وهذا يبرر الجدل القائل "أنه سيكون من الأفضل لو تركنا نفطنا في باطن الأرض". وأخيراً، فإن هناك مشكلة النفط نفسه، حيث إن الاتجاه العالمي يتجه نحو المحافظة على النفط ورفع أسعاره. ولكن، بما أننا ملتزمون، كسعوديين، بعالم مستقر، وحماية حضارة العالم الحر، فقد بذلنا جهوداً جبارة، لمنع ارتفاع الأسعار، وعلى الغرب أن يطمئن، بأننا سنواصل هذه الجهود. نحن ننتج أكثر مما تحتاجه متطلبات الموازنة، بكثير، إننا يمكن أن نلبي حاجاتنا المالية، بإنتاج نصف كمية النفط، التي ننتجها الآن. وليس من مصلحة المملكة العربية السعودية، على المدى الطويل، مثلاً، أن تنتج نفطاً بمعدل، يكفي استهلاك الغرب، المسرف، في الوقت الحاضر.

وعلى الرغم من أن العلاقة، هي اعتماد  متبادل، إلا أن المصالح السعودية والأمريكية ليست دائما متطابقة، خاصة، إن ربط المصالح السعودية بالمصالح الأمريكية قد لا يكون مقبولا، إذا فُسر على إنه حد من ممارسة السعودية لسيادتها، واستقلالها الكاملين.

ولكن ثمة مسؤوليات، تقع على عاتق المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية:

أولاً: اهتمامهما المشترك، بتدعيم الاقتصاد العالمي، ومن ثمّ خدمة مصالح العالم الثالث والدول الصناعية، في أوروبا الغربية، واليابان وقارة أمريكا الشمالية.

ثانياً: تنسيق الجهود، لضمان استقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط والمناطق القريبة منها، وفي هذه الحالة، سيكون أمام الولايات المتحدة، سلسلة من الأعمال المشتركة، في المنطقة.(4 )

الأعمال التي يجب أن تقوم بها في وقت السلم:

   1.   المساعدات التجارية والاقتصادية للدول التي تحتاجها، وتتضمن تطوير العلاقات طويلة المدى والمصالح المتبادلة.

   2.   التدريب العسكري للدول الصديقة.

   3.   نقل الأسلحة.

   4.   نقل تكنولوجيا الأسلحة، والمعلومات الصناعية المرتبطة بها.

   5.   التخطيط المشترك للاعمال العسكرية.

   6.   توفير وسائل الاستطلاع والاستخبارات.

وفي حالة حدوث أي صراع عسكري، يمكن أن تدعم هذه التدابير بالآتي:

   7.   نقل قوات سريعة الحركة، إلى موقع الأحداث.

   8.   الإنذار والتهديد باستخدام الصواريخ التي يمكن أن تطلق من قواعد بعيدة، وإجراء بيانات عليها.

   9.   التدخل المباشر بقوات، غير وحدات القتال البرية.

  10.  التدخل المباشر بوحدات القتال البرية، بالتضافر مع قوات أخرى.

  11.  المطالبة بضمانات نووية والتحذير من القوى التي لديها قدرات نووية.

ومن الواضح، أن هذه خيارات نظرية، ومن الواضح أيضا، أن من واجب الدول، التي تربط بينها مصالح مشتركة، تنسيق إستراتيجياتها، لمواجهة حالات عدم الاستقرار وأخطارها، التي ستسود الثمانينيات.

المشكلة الفلسطينية

ثمة منطقة حيوية أخرى، يجب أن تعمل فيها كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة السعودية معاً، لحماية مصالحهما، وأقصد هنا تسوية المشكلة الفلسطينية.

وكما هو معروف تماماً، فإن المملكة العربية السعودية، لا تحمل آراء متعصبة، في هذا الموضوع. فنحن لا نؤيد تدمير دولة إسرائيل، ولكننا ندرك، بوضوح، ونتمنى من أصدقائنا الأمريكيين، أن يدركوا كذلك، أن الفلسطينيين يجب أن يحصلوا على حقوقهم القومية، إذا أريد تجنب حدوث  أي اضطرابات في المنطقة، أو منع النفوذ السوفيتي.

ومن الواضح تماماً، أن العناد الإسرائيلي في رفض إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، في قطاع غزة والضفة الغربية، قد أضعفت مصداقية الأمريكيين، في المنطقة بكاملها، وأضعف، بشدة، قدرة الولايات المتحدة، على القيام بدور حاسم، في أي مشكلة إقليمية.

يجب تصحيح الأفعال الشاذة، التي تنتهجها السياسة الأمريكية، نحو القضية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال، لابد من تفاوض الولايات المتحدة، عاجلاً أو آجلاً، مع منظمة التحرير الفلسطينية، وأن لا تسمح لإسرائيل بتوجيه سياستها الخارجية. والأمثلة على الكيل بمكيالين، أوضح من أن تمر دون ملاحظة:

لم تلح الولايات المتحدة في طلب حق تقرير المصير للشعب في "روديسيا السوداء"، دون أن تفعل ذلك من أجل الفلسطينيين؟

ولم الصراخ على مصير اليهود السوفييت، والصمت تجاه مصير الفلسطينيين، تحت الاحتلال الإسرائيلي؟

ولم عوقبت تركيا، بفرض الحظر العسكري عليها، عندما غزت قبرص، ولم تُعاقب إسرائيل، ولم يُفرض عليها حظر، حينما غزت لبنان؟

وآخر الأمثلة، على تذبذب الموقف الأمريكي تجاه المنطقة، هو فشل الولايات المتحدة في التصويت، في الأمم المتحدة، في الثامن من مارس، عام 1980. فقد صوَّت، في ذلك الوقت، السفير الأمريكي "ماكهنرى MaChenry" لمصلحة القرار الرقم (13827)، الذي يطالب إسرائيل بوقف بناء مستوطنات جديدة في الأراضي العربية المحتلة، وإزالة المستوطنات الموجودة(5)، وبعد يومين تنصل الرئيس كارتر من هذا التصويت، معلنا أن الولايات المتحدة، كان يجب أن تمتنع عن التصويت.

وواضح أن هذا النقد الحاد لإسرائيل، على جرائمها، وتجاهلها للقانون الدولي، من جهة، ثم محاولة الولايات المتحدة استرضاء إسرائيل، بعد يومين فقط، من جهة أخرى، لا يثير لغط وغضب إسرائيل والدول العربية فحسب، بل يضعف، موقف المبعوث الخاص للشرق الأوسط، سول لينوفيتشSol Linowitz، والمساعي الدبلوماسية، التي ربما يحاول تحقيقها، لمصلحة السكان الفلسطينيين، في هذه الأراضي المحتلة .

وكما ذكرتُ، إن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، قد سبب حرجاً لأصدقاء الولايات المتحدة، من العرب. فالإصرار على تفوق القوة الدبلوماسية والعسكرية الإسرائيلية، (حتى ولو على حساب معدات القوات العسكرية الأمريكية، نفسها، أحياناً)، قد أعاق محاولات الوصول إلى تسوية، للصراع العربي ـ الإسرائيلي.

إن بقاء هذا الصراع، دون حل، سيجعل منه سرطاناً، يسري في المنطقة بكاملها، مهدداً، من بين أشياء أخرى، المصالح الأمنية، للغرب بصفة عامة، وللولايات المتحدة بصفة خاصة. وإن لم تحل هذه القضية، سيكون لها تداعيات خطيرة، على إعادة التحالفات في المنطقة.  فإذا لم يتحقق السلام، وظل الحل جزئياً، فستشهد الثمانينيات، للأسف، ابتعاد العالم العربي عن الغرب، وربما تضطر الدول العربية لتحرير نفسها من أي ارتباطات بالدول الكبرى، إذا لم تحل هذه القضية.

بعد حرب يوليو 1967، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً معتدلا، إذ ساعدت في تمويل الدول العربية،

التي عانت من نكسات تلك الحرب، فأنهت الصراع اليمني، ، ومن ثمّ، أنقذت المنطقة من الفوضى، ورجحت كفة المتعصبين على المعتدلين.

ومنذ عام 1971 أصبح هذا الدور أكثر أهمية. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، عملت المملكة العربية السعودية كوسيط بين مصر وسورية من جانب (لم يكن لأي منهما علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، في الفترة التي تخللت حربي يونيه وأكتوبر)، والولايات المتحدة الأمريكية، من جانب آخر. فعلى سبيل المثال، أسهم إقناع السعودية لمصر في طرد الخبراء السوفييت عام 1972، وتبني سياسة اقتصادية حرة، بعد حرب 1973.

وبعد حرب 1973، أدركت الولايات المتحدة، لأول مرة،  أن إسرائيل لم تكن هي القوة التي لا تقهر، وأنها، بمواردها، لا تستطيع الحرب، إلا لبضعة أيام قلائل، كما ثبُت أنه من دون أكبر جسر جوي، في تاريخ  الولايات المتحدة الأمريكية، لما استطاعت إسرائيل مواصلة الحرب. فلم تعد إسرائيل هي الحليف المقنع، بل، من الواضح، أنها ستمثل عبئاً دائماً على الولايات المتحدة، في المستقبل.

إن حظر النفط وارتفاع أسعاره، في عام 1973 ـ 1974، كان نتيجة مباشرة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعليه، كان لابد من إعادة النظر في كافة السياسات الأمريكية. وكان من باكورة ثمار إعادة النظر تلك، دبلوماسية السلام للدكتور " كيسنجر"، وزيارة الرئيس السابق " نيكسون " للمملكة العربية السعودية، والأردن وسورية، عام 1974 .

ولكن، كان لابد من التقدم نحو "النزاهة" والانتظار، حتى يأتي كارتر إلى سدة الحكم. وللأسف، حتى اليوم، يبدو على صنّاع السياسة الأمريكيين، عدم الرغبة في معالجة جذور المشكلة، وهي الحقوق القومية للفلسطينيين. إن مطالبة الفلسطينيين، بوطن خاص، يجب أن تُلبى، وهذا أمر عادل. وما دام العالم ينكر هذا الطلب، سيظل الظلم مصدراً للاضطرابات، في المنطقة.

إن المظالم الشرعية، التي لم تُلب، حتى الآن ، للشعب الفلسطيني، الذي طُرده المستعمرون الصهاينة، من أرضه، ليكون شعباً لاجئا، أو يعيش تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، قد خلقت حركة نضالية، تُصوب سلاحها، غالباً، من شدة اليأس، نحو الدول العربية، التي تستضيفها.

إن هناك حوالي مليوني فلسطيني في الشتات، كثير منهم في دول الخليج العربي. والأحداث السابقة، في الأردن ولبنان، كافية لإثبات، أن هذا الشعب المُستأصل، يمكن أن يشكّل تهديداً خطيراً، ليس فقط للدول التي تؤويه، ولكن للمنطقة كلها.

ولعل أقسى فشل للسياسة الأمريكية، في الدفاع عن مصالحها الأمنية، في الشرق الأوسط، هو ترددها، في الاعتراف بالمشكلة الفلسطينية. وتفسير هذا الموضوع، أمر بسيط. إنه يكمن في التحيز الأمريكي التام لإسرائيل، ونظرتها القصيرة، لأسباب هذا الموقف، وهي المشكلة الفلسطينية.

وتأمل المملكة العربية السعودية أن تستمر إدارة كارتر في بعدها عن التحيز، وقربها من النزاهة. ولو قُدِّر للصراع العربي ـ الإسرائيلي أن يُحل، فلابد من تحقيق مطلبين رئيسيين:

   ‌أ.    الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية التي اُحتلت عام 1967 .

  ‌ب.   تأمين وطن قومي يرضي الطموحات الوطنية الفلسطينية.

وقد أظهرت الولايات المتحدة، قبولها للمطلب الأول. ومن المهم، أن تدرك أهمية المطلب الثاني، في الوقت الحالي، وتعمل وفق هذا الإدراك. عندها فقط، سيكون أصدقاء أمريكا بالمنطقة، على استعداد لحشد التأييد، بإخلاص، للولايات المتحدة الأمريكية، دفاعاً، عن المصالح الكثيرة المشتركة.

 

 

الفصل الثامن

الخلاصة

 

تُعد منطقة الشرق الأوسط، منطقة مصالح حيوية، للعالم الغربي. فهي المنطقة الوحيدة، في العالم، التي يمكن للاتحاد السوفيتي، من خلالها، أن يقلب ميزان القوى العالمي، بتحقيق السيطرة، على مصدرٍ من مصادرها، ألا وهو النفط.

وقد استطاع الغرب، منذ الحرب العالمية الثانية، بكل السبل، الحد من نمو النفوذ السوفيتي، في منطقة الشرق الأوسط، واحتواء القوة السوفيتية، على حدود المنطقة. ولكن في أواخر السبعينيات، حدثت تطورات جديدة، خطيرة، أرغمت الولايات المتحدة على التخلي عن العديد من المفاهيم الأمنية القديمة، وإعداد مفاهيم جديدة، لمواجهة تحديات الثمانينيات.

وإن كان الاتحاد السوفيتي، لم ينجح في تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة، في إثيوبيا وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية ، إلا أنه بنهاية عام 1979، كان قد أحكم قبضته على الحدود الخارجية، لمنطقة الشرق الأوسط، عندما غزا أفغانستان. وكان لهذه الخطوة السوفيتية، التي جاءت في أعقاب الثورة الإيرانية، والتوصل إلى اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، التي أحدثت انقسامات في العالم العربي، تداعيات عميقة، على الدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية، في الشرق الأوسط.

ورداً على هذه التحديات المتعددة، كان على الولايات المتحدة، أن تعيد تقييم وضعها في المنطقة. لقد جاءت أحداث إيران، وكذلك غزو أفغانستان، لتجد واشنطن غير مستعدة على الإطلاق. وعلى الرغم من قوتها البحرية، لم يكن لدى الولايات المتحدة وسائل مواجهة السوفييت على الأرض.

وعلاوة على ذلك، أضيرت مصداقية الولايات المتحدة في نظر العرب، ، بدعمها المستمر، واللامحدود لدولة إسرائيل، في استمرار احتلالها، واستعمار المناطق العربية. ونتيجة لذلك، كان من الصعب على أصدقاء أمريكا من العرب، إن لم يكن من المستحيل، أن يُعلنوا تأييدهم للسياسات الأمريكية.

ولكن التهديدات الخارجية، التي تتعرض لها المنطقة، من الاتحاد السوفيتي وعملائه، ليست هي وحدها الأخطار المحتملة  على العالم العربي.

إن طموح كل بلد عربي أن يطور مجتمعه ويحقق الرفاهية لشعبه. ولكن إذا كانت عملية التطوير تتم بسرعة أكثر مما ينبغي، وتتجاهل القيم التقليدية، فقد ينتج عنها عوامل تمزق المجتمع. فلا بُدّ أن يكون الغرض من السياسة، تحقيق نموِ متوازن ومتناغم، دون التضحية بالقيم الدينية، والاجتماعية، والسياسية، التي كانت هي اللبنات الأساسية، لمجتمعنا لقرون طويلة مضت. إننا نعتقد اعتقاداَ جازماً، أن الإسلام، بكل جوانبه، هو الحصن الحصين، ضد انتشار الأفكار الغريبة، والمفاهيم الهدامة.

وفي خضم هذا العالم، المتلاطم الأمواج، الذي نعيش فيه، تشترك الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، في كثيرٍ من المصالح المشتركة، التي تشمل: السعي من أجل استقرار منطقة الشرق الأوسط، بجانب دعم اقتصاد عالمي حر. وتستلزم هذه المصالح المشتركة، إجراء مشاورات موسعة، وتخطيط مشترك، ومساعٍ منسقة.

وقد آن للولايات المتحدة، بعد سنوات من الريبة والتردد، أن تحسم أمرها، من أجل الدفاع عن مصالحها الحيوية في المنطقة. ويبدو أن ثمة عدداً من الخطوات تحتاج إلى إجراءات فورية، وهي:

   1.   أن تشعر الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي والعالم، بأن ثمة دولاً بعينها، تُعد دولاً، مركزية لمصالحها، وأنها ستدافع عنها، مهما كان الثمن، حتى، ولو أدى ذلك إلى حرب نووية.

   2.   على الولايات المتحدة، حتى يتسم هذا القرار بالمصداقية، أن تطور قوتها في المنطقة، بالتعاون الوثيق، مع شركائها من دول المنطقة. ولا بد إن تسعى، لطلب مشورة أصدقائها التاريخيين، مثل المملكة العربية السعودية، عن أفضل الطرق لنشر قواتها، حتى تتمكن من الرد المناسب، على التهديدات المتبادلة.

   3.   والأهم من ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة أن تحرر سياستها من العقبة الكؤود، وهي المشكلة الفلسطينية، التي لم تحل بعد. لقد شرعت الولايات المتحدة، منذ عام 1973، في عرض محدد وحاسم، لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وذلك لتحقيق هدفين، هما استقرار المنطقة، والحد من النفوذ السوفيتي. ولكن ما تحقق من نجاح، في هذا الصدد، تسبب في مشاكل كثيرة. فقد أدى تركيز الولايات المتحدة على تشجيع التسوية المصرية – الإسرائيلية، وإغفال الدول الأخرى، في المنطقة، بصفة خاصة، إلى الوقيعة، ليس فقط بين مصر وباقي الدول العربية، ولكن بين الرأي العربي المعتدل والولايات المتحدة، كذلك. ومما يدهشني شخصياً، هو أن معظم المسؤولين المنتخبين، في الولايات المتحدة، في الهيئتين، التنفيذية أو التشريعية، يعلمون أن إسرائيل، منذ حرب 1973، قد خرقت القانون الدولي، مراراً وتكراراً، وتجاهلت قرارات الأمم المتحدة والرأي العام العالمي.  وعلى الرغم من أن هؤلاء المسؤولين يعترفون، في السر، بتلك المغالطات الإسرائيلية، إلا أنهم لا يجرؤون على ذلك، في العلن، بسبب اللوبي اليهودي، والخوف من فًقْدِ أصوات اليهود، في دوائرهم الانتخابية.

إن على اليهود الأمريكيين، كمواطنين مخلصين للولايات المتحدة، أن يدركوا، أن المساعدات اللامحدودة لإسرائيل تهدد مصالحهم القومية الأمريكية، على المدى البعيد، في منطقة الشرق الأوسط.

والآن، أصبح ثمة اتفاق، على أن إقامة الدولة الإسرائيلية، قد سمّم جميع العلاقات السياسية، في المنطقة، لا سيما، العلاقة بين العرب والغرب. ومع ذلك، فإنّ الدعم غير المشروط لإسرائيل، قد أعطى السوفييت وأصدقاءهم بالمنطقة فرصة، هم في أشد الحاجة إليها، لدخول المنطقة، وسمح لهم بتصوير الغرب، على أنه العدو الرئيسي للمنطقة.

إنَّ أفضل السُبُل للدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية، في المنطقة، ليست القوة العسكرية أو إقامة الأحلاف فقط، بل بتنفيذ سياسات، تُبنى على الحقائق السياسية في المنطقة. فلن يكون هناك أي حماية للمصالح الأمريكية، بتجاهل طموحات مائة مليون نسمة.

إنَّ لُبّ المشكلة، هو عودة الأراضي، التي احتلتها إسرائيل، عام 1967، إلى السيادة العربية، ومن ضمنها حل مشكلة القدس. وكذلك، الاعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، في أن يكون له وطن قومي، ليكون حلاً للمشكلة الفلسطينية، وعاملاً للاستقرار، في هذه المنطقة الخطرة.

ويرى بعض القادة الإسرائيليون، أنَّ تحقيق المطالب العربية سوف يعرض الأمن الإسرائيلي للخطر، وهذا سوء تقدير شديد، تشترك فيه، مع الأسف، بعض شرائح الرأي العام في أوروبا. إنّ الأمن القومي الإسرائيلي، على المدى الطويل، يكمن في العلاقات الطيبة لإسرائيل مع جيرانها، ولا يمكن تحقيق هذه العلاقات باستمرار احتلالها للأراضي العربية، وزرع مستوطناتها فيها، وسحق الطموحات الفلسطينية. إن بناء حصن في أرض معادية، لهو دعوة لتصويب السلاح عليه. إن السياسات الإسرائيلية الراهنة، هي ضمانات على عدم الأمن، لا على الأمن.

إن جانباً من القضية، يكمُن، في أن الرأيين الإسرائيلي والأمريكي، لم يتناولا السياسات الإسرائيلية،قط، من وجهة النظر الصحيحة، لأمن الدولة. وبدلاً من ذلك، اختلطت الاعتبارات الشرعية للأمن ـ وهل من دولة، في العالم، لا تريد أن تنعم بالأمن؟ ـ مع المخططات التوسعية الخفية للصهيونية، التي تزعم حق إسرائيل في أرض، ملك لآخرين.

وباعتراف الولايات المتحدة نفسها، أصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل، "خارج المناقشة"، وهذا ما عكسته برامج الدعم المالي والعسكري الهائلة. فماذا جنت الولايات المتحدة في مقابل ذلك؟ قُوبلت طلبات الولايات المتحدة، بتقديم إسرائيل تنازلات، وخاصة في الضفة الغربية، بتجاهل إسرائيل، والاستمرار في معاملتها السيئة للسكان العرب، في الأراضي المحتلة، وهو ما يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان، والأنكى من ذلك، أن إسرائيل نجحت في إقناع الرأي الأمريكي، بأن أي تنازلٍ، عن حقوق للعرب، يُعد استسلاماً، للابتزاز النفطي.

لقد آن للولايات المتحدة الأمريكية، والغرب مُقبل على أزمة نفطية خطيرة، أن تنظر إلى حماية مصالحها الحيوية، من المال والمواد الخام. وأفضل طريق لذلك، هو أن تحدّ من دعمها لإسرائيل، وأن لا يكون على حساب المصالح العربية. أليس من المعقول، أن يُطلب من الولايات المتحدة، الضغط على أصدقائها الإسرائيليين، للجلاء عن كافة الأراضي المحتلة، وإعادة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، بأسلوب يتفق مع العدل والشرف؟ وعند تحقيق العدالة للفلسطينيين، عندها فقط، يستطيع العرب مشاركة، الولايات المتحدة، كلية، في الدفاع المشترك، عن المصالح المشتركة.

هذه هي المشاكل والتحديات، التي تواجهها المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، وأصدقاؤنا في الغرب. ولابُد أن تتسع مداركنا وعواطفنا، لخلق علاقاتٍ، تقوم على التفاهم المشترك، علاقات قوية جداً، وسليمة جداً، ومتناغمة جداً، مع واقع العصر ومقتضياته، حتى نستطيع التغلب على أية أزمة، قد تحدث.

 


 



[1] تمر سفينة، خلال مضيق هرمز، كل 19 دقيقة.

[2] يلاحظ استخدام مصطلحي "الخليج" و"الخليج العربي" بالتبادل، في هذا البحث، فالعرب يفضلون تسميته "الخليج العربي" بدلاً من "الخليج الفارسي". وآمل أن يأتي اليوم الذي يُسمى فيه "الخليج الإسلامي"، لإرضاء الشعوب الواقعة على شاطئيه.

[3] تحاول الولايات المتحدة، خلال المحادثات الجارية، الحصول على قواعد عسكرية في الصومال وكينيا وعمان.

[4] مصطلحان، يستخدما للإشارة إلى الأراضي العربية في آسيا، من جهة، و شمال أفريقيا من جهة أخرى.

[5] تسمى حالياً، الجمهورية العربية اليمنية، الجار الشمالي، لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية.

[6] على الرغم من إعلان الجمهورية في أفغانستان، في يوليو عام 1973، حين استولى داود خان رئيس الوزراء الأسبق على السلطة، في انقلاب سلمي، أراد وضع أفغانستان في الثوب الجمهوري، كابن عم لظهر خان، ولكن جاءت النهاية الحقيقية لهذه الأسرة،  مع الانقلاب الشيوعي عام 1978.